Www.Lebanon.ms

العودة   مـنـتـديـاتْ لـبـنـانْ > ألـمـكـتـبـة الأدبـيـّة ¤~ > الـقـصـص و الـحـكـايـات > الـقـصـص و الـروايـات

الـقـصـص و الـروايـات قصص وحكايات تحكي العبرة والحكمة والحب وغيرها من الحكايات العاطفية والبوليسية والإجتماعية والسياسية بطرق مختلفة...

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-12-2008, 09:05 PM
د.طارق البكري د.طارق البكري غير متواجد حالياً
عضو موقوف عن المشاركات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: لبنان
المشاركات: 286
CD Album 50 قصة قصيرة للأطفال ج 5

50 قصة قصيرة للأطفال

د.طارق البكري

الجزء الخامس

قصص قصيرة جداً

1 - الأصبع البيضاء

2 - أحمر الشفاه

3 - نورة ورمل الشاطئ

5 - رحلة إلى الشاطىء

6 - البحر الهائج

7 - المحفظة الضائعة

8 - (يلعب) يلعب

9 - مناسبة سعيدة

10 - الجرة المشروخة




الأصبع البيضاء
د.طارق البكري

شعرت منى بألم في أحدى أصابع يدها اليسرى..
كانت منى تلعب من بنات وأولاد صفها.. لم تعبأ بالوقعة.. قامت تكمل اللعب: ركضاً ضحكاً وصياحاً...
ولمّا رجعت الى بيتها لم تهتم فقد كان الألم بسيطاً.. درست دروسها.. أنجزت فروضها.. ولعبت مع أخيها ثم نامت...
وفي الليل استيقظت على ألم شديد في أصبعها المصاب.. أشعلت لمبة قريبة من سريرها.. رأت أصبعها منتفخاً ولونه شديد الاحمرار يميل الى السواد مع كتلة منتفخة بسائل أبيض تكلل الأصبع.. خافت مما رأت.. فارتفع صوت بكائها..
جاءت أمها على عجل، ورأت أصبع منى.. أيقظت أباها فقال: عند طلوع النهار نذهب الى الطبيب.
وصلت منى الى المركز الطبي في الصباح الباكر.. وعندما شاهدها الطبيب قال لها: لا تخافي يا حلوة سأضع قليلا من المطهر ومرهماً أسود... وضع الطبيب المرهم حتى غطى الاحمرار والانتفاخ.. وقام بلف شاش أبيض عريض حول الأصبع.. وعندما انتهى بدت أصبع منى ضخمة بيضاء كأنها زرعت قطناً مكان في يدها.. وقال الطبيب: إن منى تستطيع الذهاب الآن الى مدرستها.
وفي المدرسة التف الصبيان والبنات حول منى.. حاولت منى اخفاء أصبعها البيضاء.. وضعت يدها في جيب سترتها.. لكنها تألمت.. الأصبع ضخمة جداً..
صارت أصبع منى حديث الفصل كله..
قام بعض الصبيان الظرفاء بلف محارم ورقية بيضاء حول أصبع من أصابعهم، تعاطفاً مع منى.. وقامت بعض البنات بمثل ذلك..
ظلت منى تضع الشاش الأبيض لأيام وتذهب الى المركز الطبي يوماً بعد يوم لتضع شاشاً جديداً ومرهماً أسود..
بعد أيام نزعت منى الشاش نهائياً.. كانت سعيدة بشفائها وشاركها تلاميذ الفصل فرحتها....
أحد التلاميذ الظرفاء رسم لوحة كبيرة.. رسم أصبع منى ملفوفاً بشاش أبيض بحجم بطيخة... ظلت منى تضحك من هذه الرسمة أياماً طويلة...
وضعت مدرسة منى الرسم في لوحة الحائط.
قالت منى: عندما أكبر أريد أن أصبح مثل الطبيبة التي وضعت لي الدواء والشاش الأبيض...


أحمر الشفاه
د.طارق البكري

تحب منى أن تضع أحمر الشفاه على شفتيها.. أمها تقول: ما زلت صغيرة..
لكنها تضع لها بعضاً منه في المناسبات..
منى تريد وضع أحمر الشفاه عند ذهابها إلى الروضة... وتعلم أن أمها لن ترضى...
في صباح أحد الأيام، وضعت منى أنبوب أحمر الشفاه في حقيبتها الصغيرة دون أن تلاحظ أمها ذلك..
وفي المدرسة وضعت منى قليلاً منه على شفتيها وقت الفرصة..
رأتها الصغيرة فرح.. صاحت.. واوو.. أريد أحمر الشفاه..
شاهدتهما سندس.. وإيمان.. ومرح.. وجود.. وصديقات كثيرات.. كلهن أردن أحمر الشفاه..
صارت منى تضع على شفاههن (نقطة) واحدة في الشفة العليا وأخرى في الشفة السفلى.. كي لا تلاحظ المدرِّسة..
في هذه اللحظة.. جاء تلميذ من صف قريب.. يدعى براندم.. شاهد البنات الصغيرات يضعن أحمر الشفاه.. "وواوو.. أريد أن أضع أحمر الشفاه"، صاح براندم بالإنكليزية.. قالت منى.. "يو آر بوي".. استغربت كيف تضع أحمر الشفاه لولد.. لأنَّ أحمر الشفاه للبنات فقط.. أصرَّ براندم.. وضعت منى له أحمر الشفاه لكن فوق الشفتين.. وصارت تدير الأنبوب حول فمه حتى أصبح شكله مثل مهرج السيرك.. كان براندم سعيداً.. لقد أصبح مثل الكلاون (المهرج) الذي يأتي إلى الروضة بالاحتفالات..
رآه الأولاد الصغار.. صاروا جميعاً يريدون أحمر الشفاه مثل براندم...
بعد قليل انتهت الفرصة.. وعاد الأطفال الى فصولهم.. المدرّسة دهشت عندما رأت الصغار، وخاصة الأولاد..
لكن أحداً منهم لم يكشف سر منى مع أنها قالت إنها ستعاقبهم جميعاً إن لم تعرف من أحضر أحمر الشفاه.
طلبت المدرِّسة منهم جميعاً أن يغسلوا وجوههم بالماء.. لكن أثر الاحمرار لم يذهب تماماً..
دائماً تفكر منى بأحمر الشفاه.. لكن أمها منذ ذلك اليوم تضع كل أدوات التجميل في صندوق واحد.. وتقفله بالمفتاح..


نورة ورمل الشاطئ
د.طارق البكري

نورة طفلة صغيرة.. بيتها قريب من البحر، ترسم على رمل الشاطىء رسوماً جميلة.. مرة ترسم قطة.. ومرة ترسم عصفوراً، ومرة ترسم وردة وشجرة... وتكتب اسمها بحروف كبيرة تلمع تحت أشعة الشمس.. لكن البحر.. يمتد في المساء.. فيزيل ما رسمت نورة على صفحة الشاطئ.. ولم يكن هذا يزعجها.. لأنّها تحب الرسم الجميل..
وفي يوم ذهبت نورة إلى حديقة الحيوان.. فشاهدت فيلاً أكبر من منزلهاً.. قالت: يا له من حيوان ضخم! كيف أرسم هذا الحيوان الضخم على رمال الشاطئ؟؟
فكّرت أنْ ترسم الفيل.. لكن الفيل أكبر حجم الشاطئ..
حملت عصا طويلة.. بدأت تخط حدوداً لترسم الفيل بداخله.. كان حلم الرسم أكبر من حجم الشاطئ.. رسمت رأس الفيل.. حاولت رسم خرطومه.. فامتد حتى وصل ماء البحر.. ولم يكتمل الرسم.. فجلست حزينة..
كانت أمها تراقب هذا المشهد.. فاقتربت منها وفي يدها أوراق وأقلام وألوان..
قالت: ما أجمل خرطوم الفيل! لقد رأيتك تحاولين رسمه.. جميل جميل.. ما رأيك أنْ نرسمه على ورق أبيض ناصع.. نلوّنه بهذه الألوان.. ما رأيك يا حبيبتي؟
نظرت البنت نحو أمها حزينة.. هي تحب الرسم على رمل الشاطىء الرطب..
قالت الأم: لو رسمنا على الورق ستبقى الرسوم ولا تمحي كما يفعل البحر برسوم الشاطىء..
فكرت البنت بكلام الأم.. أخذت الأوراق والأقلام والألوان.. جلستا على بساط جميل... بدأت البنت ترسم الفيل... ولكن يحجم صغير..
ثم رسمت فتاة صغيرة صغيرة إلى جانب الفيل الصخم..
قالت لأمها: هذا هو الفيل طبعاً.. ولكن هل تدرين من هي هذه الفتاة؟؟
ضحكت الأم، وقبل أن تجيب ابنتها نورة على السؤال، قالت البنت الصغيرة بسعادة: هذه أنا.. وهذا صديقي الفيل..
منذ ذلك اليوم ونورة لا تتوقف عن رسم الأشياء الجميلة من حولها... على ورق أبيض ناصع البياض...


رحلة إلى الشاطىء
د.طارق البكري

خرجت مع أبي وأمي في رحلة إلى شاطىء البحر.. وكان الطقس صحواً في الصباح... وعندما وصلنا إلى شاطىء البحر.. وضعنا بساطنا وأغراضنا فوق الرمل.. وبعد دقائق قليلة بدأت السماء تتلبد بالغيوم.. وبدأت ريح باردة تتحرك وتشتد.. فخفنا أن تعصف الريح.. واقترح أبي العودة إلى البيت قبل أن تسقط الأمطار.. فرجوته أنْ ننتظر قليلاً.. فقد تكون غيمة عابرة.. لأنّ السماء في الصباح لم تكن ممطرة.. وكان الجو ربيعياً..
فوافق أبي على طلبي ويا ليته لم يوافق....
وما هي إلا لحظات حتى هبّت ريح عنيفة.. قلبت كلّ أشيائنا ورمتها بعيداً.. فممدنا أجسامنا على الأرض لأنّنا لم نتمكن من الوقوف ومواجهة الريح العاصف..
وصرت أزحف على الأرض لأمسك بإغراضي وألعابي حتى لا تطير مع الهواء.. ولكنّي لم أتمكن من ذلك.. فقد كانت الريح أقوى مني..
رآني أبي أحاول إنقاذ ألعابي.. فزحف هو أيضاً.. وأمسك كيساً كبيراً... وصار يحمل ألعابي وهو متمدد على الأرض ويضعها في الكيس... ويضم الكيس إلى صدره كيلا يطير..
وقضينا دقائق على هذه الحال.. حتى هدأت الريح.. فصاح أبي حتى نركض نحو السيارة... ونحمل ما تبقى من أمتعتنا.. وركضنا بكل ما نملك من سرعة.. وقبل أن نصل إلى السيارة بمسافة قصيرة.. أمطرت السماء وكأنّها لم تمطر من قبل.. فألقينا أنفسنا داخل السيارة وثيابنا غرقى في ماء المطر..
وما أن جلسنا داخل السيارة حتى انفجرنا بالضحك.. وانتظرنا نحو ساعة حتى هدأ المطر.. ثم عدنا إلى البيت من رحلة لم تكتمل..
وكنت سعيداً جداً لأنّي لم أفقد كل ألعابي التي أخذتها معي.. وكنت فخوراً بأبي لأنّه أنقذها لي..
وقد أخبرت مدرّسة اللغة العربية بذلك، فطلبت مني أنْ أكتب هذه الحادثة وأضعها لكم في مجلة الحائط.. فأرجو أن تكون قد أعجبتكم..



البحر الهائج
د.طارق البكري

غادر سليم في رحلة بحرية أقامتها المدرسة لطلاب المرحلة المتوسطة الأولى بعدما انتقل من المرحلة الابتدائية... وكانت الرحلة المقررة لساعتين تقريباً من شاطئ البحر.. ولم يكن سليم ركب البحر في حياته ولا مرة واحدة.. وكان يخشى السباحة..
فشعر سليم بالخوف من اللحظة الأولى عندما بدأ المركب يتحرك ويهتز فوق الماء.. لكنه حاول ألا يظهر خوفه لأصدقائه من حوله..
وما أن تحرك المركب في قلب البحر حتى هبت ريح خفيفة.. فتأرجح المركب فوق الماء.. ورطمت الأمواج جنباته.. فتغير لون سليم.. ولم يستطع عندها أن يكتم حالة الهلع التي أصابته.. وضحك كل من رأى سليم على هذه الهيئة.. دون أن يقصدوا ذلك طبعاً... فقد كانت ضحكتهم طبيعية جداً.. فهم يحبون بعضهم بعضاً.. لكن الحدث فاجأهم... فحزن سليم وخجل من نفسه.. فهاهم كل أصدقائه سعداء.. يمرحون ويلهون وهو يجلس في ركن يمسك المقعد الذي يجلس عليه..
اقترب مراقب الرحلة وهو مدرس الرياضة البدنية.. وهدأ من روع سليم.. وقال له: لا تخف يا سليم.. هل تشعر بأي دوار؟
فهز سليم رأسه بالإيجاب.. فقال له المدرس: هل هو مؤلم؟ لقد آلمني أنا أيضاً أول مرة ركبت فيها البحر.. فهذا الأمر يتعرض له كثير من الناس ويسمى دوار البحر.. وهو يصيب كثير ممن يركب البحر ولكن بدرجات.. وبعضهم قد يفقد وعيه..
ثم أحضر له المدرس دواء لمقاومة دوار البحر.. وأعطاء عصيراً بارداً ليخفف عنه حرارة الجو..
وبعد دقائق.. استعاد سليم قوته.. وبدأ يتأقلم مع الرحلة البحرية.. وكان الأصدقاء تجمعوا في مساحة واسعة في أعلى المركب.. وكان معهم دفّ وطبلة وبدأوا يغنون وينشدون ويتنافس كل واحد منهم بإبراز مواهبه الغنائية.. ثم تنافس بعضهم على قول الشعر..
وشارك سليم أصدقاءه في فرحتهم... ونسي خوفه وما أصابه.. ولم يلم أصدقاءه لأنهم ضحكوا عندما صاح من الخوف.. فهو يعلم أنّهم لم يقصدوا السخرية منه.
وعندما عاد سليم إلى بيته.. قصّ على أمّه وأبيه ما جرى في الرحلة.. وقال لهما إنّه قرر أنْ يتعلم السباحة حتى لا يخاف البحر بعد اليوم..
وكان الأب والأم سعيدان وفخورين بابنهما..


المحفظة الضائعة
د.طارق البكري

كانت سلمى تبحث عن الطعام في الحاويات القريبة من مساكن أثرياء قريتها ؛ فوجدت محفظة جيب صغيرة ، حملتها وأخفتها في كيس صغير و عادت بسرعة إلى بيتها الطيني في تلة بعيدة في القرية.
أعطت سلمى المحفظة لأمها فوجدت فيها رزمة كبيرة من المال و بطاقة هوية 0الأم و هي تضحك ساخرة : إنها للسيد مقاطع ها ها ها .
ثم قالت : لقد أصبح كل هذا المال لنا.
سلمى : لكننا نعرف صاحبه
الأم : أنسيت كيف طردنا من منزلنا بعد أن مات أبوك مدعيا زورا أن أباك باعه المنزل وقدم للمحكمة أوراقا و مستندات مزورة.
حتى إنه لم يرحمنا ويمهلنا لنجد منزلا آخر.
سلمى : ومع ذلك ، المال ليس لنا.
ألأم : لكنه ظلمنا ،، كما أنه لا يرانا أحد؟
ردت سلمى بدهشة : إن كان الناس لا يروننا فأين الله ؟ فأين الله ؟
قامت الأم وقالت هيا بنا ولم تقل كلمة أخرى
وصلت الأم وأبنتها إلى منزل السيد مقاطع و قدمتا له المحفظة..
استغرب السيد مقاطع موقف الأم المظلومة فقالت له : لا تستغرب اسأل سلمى سوف تخبرك وتقول : فأين الله ؟؟؟ فأين الله ؟؟؟
و عادت الأم و ابنتها إلى بيتهما الطيني القديم..
في اليوم التالي قرع السيد مقاطع باب المرأة وقال لها اذهبي إلى بيتك الأول هذه ورقة تثبث أن البيت الذي أخذته منكم هو لكم.. واعترف لهما بأنه زور المستندات و ظلمها وأولادها اليتامى و صار يرجوها أن تسامحه..
استغرب أهل القرية هذا التحول الذي طرأ على حياة السيد مقاطع فقد تغيرت أحواله وصار يساعد الفقراء وأعاد كل الأموال التي جمعها بالغش إلى أصحابها .
وكان الناس يسألونه عم السبب الذي غيره فيقول :
فأين الله ؟؟؟ فأين الله ؟؟؟


(يلعب) يلعب
د.طارق البكري

كان هنالك طفل اسمه (يلعب)، لم يكن أحد يصدق أنه اسمه الحقيقي، دائماً يظنون أنه يحب اللعب، ولهذا السبب يسمي نفسه (يلعب).
عندما كبر (يلعب) ودخل المدرسة سألته المعلمة عن اسمه فقال: (يلعب)..
قالت: من الذي يلعب؟
أجابها: ليس هنالك أحد يلعب.. أنا.. أنا أسمي (يلعب)..
قالت: عجيب! اسمك (يلعب)؟؟
ضحكت وتابعت: لا شك أنك تمزح.. قـل الحقيقة..
- أقسم أن اسمي هو (يلعب.. يلعب.. يلعب) وليس لي اسم سواه، فلماذا لا يصدقني أحد؟
هزت المعلمة رأسها: لا بأس..لا بأس.. ليس مهماً.. مااسم ابوك؟
قال: اسمه (يعمل)..
تلفتت المعلمة تكتم غيظها.. ظنت أن الطفل يهزأ بها..
سألته: وما اسم أمك؟
- اسم أمي (تطبخ)...
ازداد غضبها... كانت تريد أن تعاقبه لكنه أول يوم في المدرسة..
عادت وقالت بحزم: هل لديك أخوة وأخوات؟
أجاب بهدؤ واحترام: نعم، لدي أخت واحدة..
- ما اسمها؟
- أخشى أن أقول لك فلا تصدقيني..
-لا.. لا.. قل يا حبيبي.. ما اسمها؟
- اسمها.. (تمرح).
هنا ازداد غضب المعلمة.. وقررت أن تنهي هذا الحوار العجيب فقالت: هيا اذهب العب مع رفاقك...
ذهبت المعلمة وأحضرت كشفاً بأسماء التلاميذ الجدد وبحثت بين الأسماء...
وكانت المفاجأة.. عثرت على طفل اسمه (يلعب) واسم أبيه (يعمل) واسم عائلته (ينجح) واسم أمه (تطبخ).
ضحكت المعلمة من أعماق قلبها.. كان الطفل صادقاً.. لقد ظلمته بظنونها...
نظرت من خلال زجاج النافذة المطلة على باحة المدرسة.. رأت التلاميذ الصغار يلعبون فقالت ضاحكة: الطفل (يلعب) يلعب الآن مع رفاقه الصغار.


مناسبة سعيدة
د.طارق البكري

عاد أبي الى البيت مساء حاملاً علبة كبيرة ملفوفة بورق ملون بديع يلمع بقلوب حمراء وورود وأزهار..
أسرعت أنا وإخوتي نهتف بفرح رافعين أيدينا، يسبق أحدنا الآخر لكي يكون الفائز بالصندوق الكبير..
رفع أبي الصندوق فوق رأسه وألصق جسده بالحائط..
أمي كانت في تجلس في غرفتها.. قفزت على صوت صياحنا وضحكنا..
انعطف أبي نحو أمي وهزّ الهديّة التي في يده برفق شديد، مشيراً بها نحو أمي...
أصابتنا خيبة.. فالصندوق هدية لأمي.. ولا تخصّ أحداً منا نحن الصغار...
فتحت أمي الهدية.. كان بها قلب كبير من الحلوى رسم عليه بيت من الفاكهة الممزوجة بالعسل..
كانت المناسبة سعيدة.. تخص أبي وأمي.. فقد مضى على زواجهما عشر سنين..
كنت أنا أكبر الأبناء.. عمري يقترب من تسع سنين.. ولدي أخت وأخ.. أختي عمرها سبع سنين ونصف السنة وأخي الصغير خمس سنين..
وضعت أمي قالب الحلوى اللذيذ على الطاولة الكبيرة.. أخرج أبي من جيب سترته شمعة بالرقم (10)، أشعل الشمعة، أطفأ النور.. وغنينا جميعاً.. لأمي وأبي.. كانت المرة الأولى التي يحتفل بها أبي معنا بالمناسبة.. قال إنها مناسبة مختلفة بسبب الرقم (10)..
سجلت التاريخ في مفكرتي.. وصرت أبادر للاحتفال بالمناسبة عاماً بعد عام.. أمي لم تعد تحسب الأرقام والأعوام.. لكنها على الدوام تظهر فرحتها بالرقم الذي يكبر كلما كبرنا وكبرت.. ذاكرة أبي باتت ضعيفة جداً.. حتى أنه لا يتذكر أسماء أحفاده.. لكنه لا ينسى يوم المناسبة..
فهي في قلبه مناسبة سعيدة تستحق قلباً كبيراً من الحلوى وبيتا من الفاكهة الممزوجة بالعسل..


قصة من الصين
الجرة المشروخة

د.طارق البكري

يحكى أنّه كان هناك امرأة عجوز صينية كبيرة في السن، تملك جرتين كبيرتين لنقل الماء، وكانت تضع كل جرة على طرف وتد خشبي قوي وطويل، ترفع الوتد وتضعه على عنقها فتحمل بذلك الجرتين معاً.
إحدى الجرتين فيها شرخ والأخرى سليمة.
العجوز تملأ الجرتين معاً من جدول الماء، وفي نهاية الدرب الطويل الممتد من جدول الماء إلى البيت تصل الجرة المشروخة وقد فرغت من نصفها.
ولشهور كاملة كانت هذه العملية مستمرة في نقل الماء، وهذه السيدة تصل إلى بيتها مع جرة مليئة وأخرى نصف فارغة.
الجرة السليمة كانت فخورة بنفسها.. لكن الجرة المشروخة المسكينة كانت تخجل من عيبها وتشعر بالتعاسة لأنّها لا يمكنها أن تنقل إلا نصف الماء كل يوم لهذه السيدة الطيبة.
بعد فترة شعرت الجرة المشروخة أنّها جرة فاشلة تماماً، فقررت أنْ تتحدث لصاحبتها، قالت لها: إني خجلة من نفسي، لأنّ هذا الشرخ في جانبي يسرب الماء خارجاً على طول طريق العودة إلى منزلك، وأنت تتعبين بحملي.. ولا فائدة مني.. أرجو أن تتخلصي مني وتتحصلي على جرة جديدة..
ابتسمت العجوز وقالت: هل لاحظت الأزهار التي نبتت على جانب واحد من الطريق وليس على الجانب الآخر للجرة السليمة.
وأضافت: كنت دائماً أعرف عيبك هذا، فقمت بزرع بنثر أزهار على جانبك من الطريق، وأنت كل يوم في طريق العودة إلى البيت تقومين بسقايتها دون أن تشعري بذلك، والآن أصبح لدي زهور جميلة. ومن دون الأزهار التي رويتها بمائك كيف يمكن لي أزين بيتي بالأزهار؟! ومن دونك أيتها الجرة المشروخة ما كان لدي هذه الزهور الجميلة.
تعليق: هكذا يا أصدقائي نعرف كيف يمكن أن نستفيد من الأشياء التي حولنا مهما كانت صغيرة، ولا نقدر عمل الآخرين ولو كنا نظن أن في عملهم عيباً، وأن نبحث دائماً عن الوجه الإيجابي لا على الوجه السلبي، فنحفظ لكل شيء مكانته ودوره.. ولا نبخس حقه..

__________________________________________________ _


قصص الحيوان

1 - بيضة الدجاجة

2 - الفراشة الــراقصة

3 - خروف العم صابر



بيضة الدجاجة
د.طارق البكري

باضت دجاجة بيضة على الطريق..
رأى البيضة عصفور صغير.. تعجب!
"ما أكبر هذه البيضة؟؟ أظنّ أنّها تسعني أنا وإخوتي الصغار..!"، قالها باستغراب..
كان العصفور يعرف شكل بيض الطيور.. ولأوّل مرة يشاهد بيضة دجاجة..
عاد إلى أمّه خائفاً.. أخبرها بما رأى..
فضحكت الأم وقالت: هذه بيضة صديقتنا الدجاجة.. فأولادها الكتاكيت أكبر من العصافير.. والدجاجة تكبر بسرعة.. وعشّها أكبربكثير من عش طائر صغير..
قال العصفور لأمّه: لكنّك حديثتنا سابقاً - أنا وإخوتي - عن النسور وأعشاشها.. والطيور الجارحة وأحجامها.. فخفت أنْ تكون بيضة طير جارح..
قالت الأم: يا بني، إنّ الطيور الجارحة تبني أعشاشها فوق الجبال وفي أعالي الشجر.. أمّا الدجاجة فتبيض على الأرض في عشّ تصنعه بعناية. ومثلها صديقتنا البطة.. وعمتنا النعامة.. لكنّ بيضة النعامة كبيرة جداً.. وهي مثل كل مخلوقات الله تحب أطفالها وتخشى على بيضها من الأخطار... ويبدو أنّ الدجاجة باضت وهي في الطريق.. وربما حاولت نقل البيضة فلم تستطع وأبقتها في مكانها ثم تعود لتجلس عليها وتحرسها حتى تفقص ويخرج منها كتكوت صغير.. قال العصفور لأمه: ما رأيك يا أمي أن نساعد الدجاجة ونوصل البيضة لبيتها؟؟
قالت الأم: فكرة... هيا بنا يا بني..
طار العصفور وأمه.. وراحا يدحرجان البيضة بريشهما الناعم.. يدفع العصفور الصغير البيضة فتتلقاها أمّه.. ثم تدفعها الأم بريشها فيسرع الصغير فيتلقاها.. واستمرا على هذه الحال حتى أوصلا البيضة إلى عش الدجاجة..
كانت الدجاجة تجلس على بيضها.. لما رأت البيضة.. وما فعل العصفور وأمّه ركضت إليهما تشكرهما عى فعلهما.. ثمّ عاوناها لتحمل البيضة إلى العش.. ورقدت الدجاحة فوقها تمدّها بالحرارة والعطف حتى يخرج الكتكوت منها...


الفراشة الــراقصة
د.طارق البكري

في حديقة قـريبة من بيتنا فراشات كثيرة، من كل الألوان..
في كل يوم وفي طريق عودتي من المدرسة أمرُّ على الحديقة.. أزور الفراشات وأفرح بالنظر إليها.. ثم أعود مسرعاً الى البيت..
وفي يوم.. قررت أنْ أزرعَ في شرفة غرفتي وروداً جميلة.. أعتني بها وأسقيها بنفسي..
وأخذت هذه الورود تكبر مع الأيّام.. وكنت أتمنى أن تزورني الفراشات كما تزور الحديقة القريبة..
كنت أذهب إلى الحديقة مثل كل يوم وأكلّم الفراشات وأدعوها لزيارة منزلي.. ثم أضحك على نفسي.. وهل تفهمني الفراشات؟
وفي صباح جميل.. وقبيل ذهابي إلى المدرسة.. نظرت إلى الشرفة كعادتي على أمل.. وكانت سعادتي كبيرة وأنا أرى فراشة ملوّنة جميلة.. تطير حول ورودي.. تلتهم رحيقها.. وتبدو ضاحكة سعيدة.. وكأني أسمع رنّة ضحكاتها...
ورأيت الفراشة تطير بفرح.. تحرك جناحيها.. ترقص دون توقف.. تأتي على وردة حمراء.. ثم وردة بيضاء.. ثم صفراء.. ثم تعيد الكرّة كأنّها تريد أن تأكل من كل أصناف الورود..
فخرجتُ إلى الشرفة.. وكانت شرفة صغيرة.. صنع لها أبي شبّاكاً من زجاج.. وبسرعة خاطفة.. أغلقت الزجاج.. لتبقى الفراشة الراقصة في شرفتي إلى حين عودتي من المدرسة..
وطوال اليوم كنت أفكر بالفراشة.. لقد أصبح عندي بستان ورود وفيه فراشة ملوّنة.. أخبرت كل أصدقائي بذلك.. لكنهم لم يصدقوني.. وفي طريق عودتي من المدرسة لم أزُر الحديقة كعادتي.. فقد كنت مكتفياً بفراشتي التي تنظرني في الشرفة..
وعندما وصلت البيت ذهب مباشرة إلى الشرفة.. كنت قد آغلقت بابها بإحكام.. توقعت أن أرى الفراشة تطير وترقص كما تركتها.. في الصباح..
ولكني لم أجد الفراشة.. خفت أنّها ربّما تمكنت من الفرار... ولكن كيف وقد أغلقت عليها كل المنافذ.. وأوصيت أمي ألا تفتح باب الشرفة..؟؟
بحثت عنها.. وبعد بحث طويل.. وجدت الفراشة تختبئ تحت ورقة من أوراق ساق زهرة..
وجدتها حزينة.. ضعيفة هزيلة.. فأصبتُ بالعجب... ما سرها؟؟ لماذا تغيرت؟؟ وكل شيء موجود هنا.. لديها طعام ولديها ماء.. والشرفة ملكها وحدها..؟؟
فتحت نافذة الشرفة.. دخل الهواء المنعش.. اهتز جناحا الفراشة.. رأيتها تتحرك ببطء كأنّ النافذة تمتصها.. وفي لحظات.. كانت الفراشة تطير خارج الشرفة.. ترقص وتضحك.. راقبتها.. فوجدتها تتجه نحو الحديقة القريبة.. نحو صديقاتها الفراشات.. لتنعم بالحرية..


خروف العم صابر
د.طارق البكري

أخبرني العم صابر يوماً لما سألته عن سرّ خروفه الصغير الذي يحتفظ به على شرفة منزله، أنْ ليس للخروف سرّ ولا جهر.. فقد اشتراه ليطعمه ويسمّنه بيديه، انتظاراً لعيد الأضحى المبارك بعد أيام..
وكعادة العم صابر _ وهو أستاذ للغة العربية في مدرستي القريبة من حينا لا يحب أنْ نناديه بالأستاذ بل بالعم صابر _ فإنّه يسترسل في الحديث ليصله باللغة العربية..
فقال العم صابر: إنّ الخروف الذكر من الضأن هو الحَمَل، وإنّ الوداعة صفة لازمة للخروف..
ثم توقف العم صابر عن الكلام.. وقبل أن أبادره بسؤال قال: هناك _ يا صديقي الصغير _ مثلٌ جميل يصف من يعيش في رفاهية بأنّه (كالخروف، أينما اتَّكأ اتَّكَأ على صوف)..
وسألت العم صابر قبل أن يتابع كلامه عن جمع كلمة خروف، فقال لي: جمعه: خِرافٌ وأَخْرِفَةٌ وخِرْفان...
فصرتُ أضحك وأقول: كيف تجمع كلمة خروف على كل هذه الكلمات؟؟!..
فقال مبستماً معلماً كعادته: يا حبيبي! إنّ لغتنا العربية جميلة وواسعة.. وفيها كلمات كثيرة، علينا أن نتعلمها ونعلمها للآخرين..
سررت من حديث معلمي الذي أحبّه.. وقلت له: وماذا يعني لك خروف العيد يا عمي صابر؟
فقال العم صابر: سأروي لك يا حبيبي قصة حقيقية حدثت في أحد البلاد منذ فترة طويلة.. وهي من القصص المشهورة.. وهذه القصة تقول إنّ رجلاً ذهب إلى السوق ليشتري خروف العيد، وعندما عاد به هرب الخروف منه ودخل أحد البيوت ليقابله أطفال البيت بالفرح والتهليل، وكانوا يصيحون فرحين: أمي.. أمي.. تعالي بسرعة.. لقد جاءنا خروف العيد.. لقد جاء خروف العيد.. وتتنهد الأم الفقيرة التي توفي عنها زوجها وأطفالها صغار قائلة: إنّ الذي سيشتري لكم خروف العيد تحت التراب!! تقصد أباهم زوجها..
واقترب الرجل دون أن يدخل وسمع الأطفال كما سمع أمهم تطلب منهم بأن يساعدوا صاحب الخروف على إخراج خروفه من بيتهم، لكن الرجل رفع صوته قائلاً للمرأة يا أم اليتامى.. الخروف وصل لأهله..
وانصرف الرجل دون أن ينتظر رداً.. وعاد إلى بيته ليأخذ مبلغاً زهيداً هو كل ما تبقى معه، كان يحتفظ به من أجل كسوة العيد لأولاده.. أخذه ليشتري به خروفاً بدل الأول، لأنّه كان قد وعد أبناءه الصغار بأنه سيذبح أضحية هذا العيد..
وفي لحظة وصول الرجل إلى السوق للمرة الثانية وصلت عربة مليئة بالخرفان.. فبادر الرجل بسؤال البائع عن سعر الخروف؟
فأجابه البائع بأن ينتظر حتى يتم إنزال الخرفان من العربه.. ليختار منها ما يشاء..
وعندما نزلت الخرفان إلى الأرض اختار الرجل أحدها وسأل عن الثمن.. فقال البائع: هذا خروف غالي جداً.. هل أنت واثق من أنّك تملك مالاً كافياً.. فقال الرجل: اليوم يوم عيد.. وأريد أجود الخراف.. وعسى أن يكفي مالي الذي معي..
فضحك البائع وقال: مبارك عيدك يا رجل.. وتقبل الله ذبيحتك.. فهذا أجود الخرفان التي عندي.. وقد اخترت أفضلها وأغلاها ثمناً.. وهو هدية لك..
لم يصدق الرجل ما يسمع.. وقال للبائع: أتستهزئ بي يا أخي؟
فقال البائع: معاذ الله.. خذ هذا الخروف هدية لك.. هو من نصيبك دون ثمن رزق ساقه الله إليك..
فوقف الرجل حائراً مندهشاً...
فقال البائع: لا تستغرب يا أخي.. إنّ أبي هو صاحب كل هذه الخرفان.. وقد أوصاني بأنْ أهدي أول خروف يتم اختياره من المشترين دون مقابل هدية منه في هذا العيد المبارك.. صدقة لوجه الله تعالى..
فتأمّلت وجه العم صابر وقد امتلأت عيناه بالدموع.. متأثراً بهذه القصة الرائعة.. ثم قال بصوت هادئ رصين: وهكذا يا بني رزق الله العائلتين بعيدين.. والأجر للجميع.. ونسأل الله تعالى أنْ يهب لنا مثلهم.. ويجعل لنا من كل ضيق مخرجاً..
ثم قال متنهداً: الله.. كم هو رائع هذا العمل النبيل..
فقلت له: ما أطيب قلبك يا معلمي!
فقال العم صابر: المعلم يا بني يتعلّم أيضاً...
فقلت له مسروراً: في صباح العيد سآتي لأشهد ذبح الخروف..
ضحك العم صابر وقال: سنذبحه عند جزار الحي بعد صلاة العيد.. موعدنا أنا وأنت والخروف هناك؟
بعد ذلك عدت إلى البيت مسرعاً أبحث في الإنترنت عن قصة تحكي عن الخروف.. فوجدت هذه القصة الجميلة المعبّرة.. فجلست أقرؤها:
(تَأخَرَّ خروفٌ عَن الرّاعي، فَهَجَمَ عَلْيه ذِئْبٌ لِيأكُلَه، فَقال لَه الخَروف: إنَّ صاحِبي أَرْسَلَني إليْكَ لِتَأْكُلَني، وَلكنِّه أَمَرني أن أُغنّي لك قبْلََ ذَلِكَ، فَقَال له الذِئْب: هَل صَوْتُكَ حَسَن؟
قالَ: نَعَم، إنَّ صَوْتي يُفرِحُ الحزينَ، وَيُطرِبُ السّامعينَ.
فقَالَ لَه الذِئْب: إذاً غَنّ وارْفَع صَوْتَك.
فَرَفَعَ الخَروفَ صَوْتَه حتى َسَمِعَه الرَّاعي من بعيد، وأقْبَلَ وفي يَدْهْ عَصا طَويلَة، فَلّما رَأى الذِئْب الرّاعي خافَ وفرَّ هارِباً، وَبِهَذه الْحيلَة نجا الْخَروف مِن الذِئْب).

ثم كررت البحث فوجدت قصصاً كثيرة.. منّها هذه القصة الجميلة وعنوانها (الخروف الضال)، تقول القصة: ماع ... ماااع .... ماااا....ع ..
صاح الخروف الرمادي الصغير بأعلى صوته.
الخروف الرمادي الصغير ينادي قومه القطيع: ماع ... ماااع ...ماااا.... ع.. علم أنّه ابتعد عن قطيعه عندما كان يبحث عن طعام..
اكتشف نفسه ضائعاً تائهاً..
زعيم القطيع لاحظ غياب الخروف الرمادي الصغير.. أمر مجموعة من الخرفان بالبحث عنه فوراً.. وبعد بحث طويل سمعوه ينادي خائفاً: ماع ... ماااع .... مااااا ....ع ..
لما رآهم لم يصدق أنّه نجا من الموت... الخروف الرمادي الصغير عاد إلى قومه نادماً.. زعيم القطيع أنّبه وحذّره من مخالفة دستور الآباء والأجداد مرة ثانية.. قائلاً: الذئب يفترس من الغنم القاصية (أي التي تبتعد عن جماعة الخرفان).
وبعد ذلك قضيت أياماً أبحث وأقرأ وأتعلم أشياء كثيرة عن الخرفان وحياتها وقصصها الجميلة.. وعندما جاء يوم العيد، وبعد صلاة العيد وتهنئة الأسرة بالمناسبة والجيران وأبناء الحي.. استأذنت أبي لأذهب وأشاهد ذبيحة العم صابر.. وكان العم صابر بانتظار دوره عند جزار الحي.. وبعد ذبح الخروف.. قام الجزار بتقطيعه إلى أجزاء.. وكان مع العم صابر أكياس كثيرة وعربة صغيرة.. وضع فيها الأكياس بعد أن وضع أجزاء الأضحية في داخلها ثم قال لي: هيا جرّ العربة..
وصار العم يتنقل من بيت إلى بيت يوزع اللحم على فقراء الحي.. ثمّ اهداني كيساً.. وقال: هذا هدية الأصدقاء.. ففرحت بها.. وصرت أقفز مسرعاً إلى البيت.. وحكيت لأبي وأمي وإخواتي قصة العم صابر وخروفه.. وكانت حكاية لا تنسى..


قصص تمثيلية

1- سوسو ودانة

2 - صديقان في ورطة

4 - المغامرات الصغيرات

5 - الصديقات وعطلة العيد



سوسو ودانة
د.طارق البكري

(المشهد: داخل صالة المنزل)
(الممثلون: بنت صغيرة وأب وأم)

تدخل بنت صغيرة اسمها دانة صالة بيتها وتحمل لعبتها في يدها وتكلمها وتقول:

الآن يا لعبتي الحلوة سأنشغل عنك بضعة أسابيع.. لسببين.. الأول لأنني بدأت المدرسة والدرس والواجبات.. ثانياً لأننا سنبدأ شهر رمضان المبارك .. وما أدراك ما شهر رمضان.. شهر الصوم.. و الخير والطاعة والقرآن والصلاة.... كما سيكون عندي واجبات مدرسية كثيرة.. تحتاج الى درس وجد ونشاط.. أليس كذلك يا لعبتي؟؟؟..
تسمع الأم هذا الكلام وهي تدخل الصالة وتقول وهي تغير نبرة صوتها وكأنها صوت لعبة: إيه يا دانة.. ماذا سأفعل.. أريد الذهاب أنا أيضا معك إلى المدرسة..
تلتفت البنت وهي متفاجئة بالصوت لتكتشف أنه صوت أمها..
البنت تضحك والأم تضحك وتقول دانة بعد أن تحضن أمها:
للحظة واحدة ظننت أن اللعبة تكلمني..
تغمر الأم ابنتها وتقول بحنان:
ما شاء الله.. ما شاء الله... تكلمين لعبتك عن شهر رمضان الكريم وتحدثينها عن واجباتك المدرسية.. هذا شيء رائع..
يدخل الأب في هذه اللحظة:
رائع..؟؟ ماهو الرائع؟؟.. قولا لي بسرعة.. هيا أخبراني.. لا تخفيا عني شيئا..
الأم: ومنذ متى يا زوجي الحبيب نخفي عنك شيئاً..
الأب: هيا إذن قولا من دون تأخير..
الأم والبنت في لحظة صمت...
البنت: أريد أن أسألك سؤالاً قبل أن أجيبك عما هو (الرائع)..
الأب وقد علت على وجهه علامات الاستغراب:
ممممممممم.. طيب.. وماذا تريدين أن تسألي يا دانتي الحلوة..؟

تقول البنت:
أبي.. قل لي بصراحة.. عندما كنت صغيراً مثلي هل كنت تحب المدرسة؟؟
صوت موسيقى تدل على دهشة بالسؤال
الأب يفكر.. ينظر إلى السقف:
والله يا بنيتي.. في الحقيقة.. في الحقيقة.. لا أدري.. وما هذا السؤال الغريب؟؟؟
دانة: هيا يا أبي.. هيا... (تقولها بدلال)
الأب: ماذ أقول.. والله في الحقيقة..المدرسة كلها تعب.. ولكن ماذا نفعل؟؟
الأم تغمز الأب بعينها:
ماذا تقول يا أبو دانة؟ ماهذا الكلام.. المدرسة حلوة حلوة..
الأب يستدرك ويستعيد حزمه وصرامته:
لكن في أيامنا.. المدرسة كانت غيرها في أيامكم.. اليوم أنتم تلعبون وتمرحون أكثر.. ولديكم ألعاب كثيرة في المدرسة.. والمدرسة قريبة جداً من البيت.. وتذهبون بسهولة وتأتون بسهولة.. المدرسة حلوة.. حلوة.. أليس كذلك؟؟
(يقول ذلك وهو يشدد على كلمة حلوة)
دانة: (بصوت ضاحك)
المدرسة حلوة يعني؟؟ أنت تقصد حلوة مثل السكر..
الأب: والله يا دانتي.. ماذا نعمل؟ لا بد من تعب.. المدرسة تعب.. وكل هذه الحياة تعب.. نحن إن لم نتعب لا نتعلم..
دانة: نعم، نعم، بالتأكيد.. أنا اوفقك الرأي.. وهذا ما كنت أقوله لسوسو...
صوت موسيقى يدل على دهشة؟؟؟
الأب بحيرة: سوسو؟؟ من هي سوسو؟؟ رفيقتك بالمدرسة؟
دانة: هههههههههههههه.. اسأل أمي؟
الأم: سوسو .. سوسو.. أتعبت رأسي من سوسو هذه؟
الأب: قولا.. هيا.. خلاص.. أوجعتما رأسي أنتما الاثنين معا.. هيا..
دانة ترفع لعبتها وتضحك ضحكة خفيفة..
تقول: هذه سوسو.. ألا تعرفها؟؟...
يضحك الأب ويقول باستسلام:
سوسو.. سوس.. طيب.. سوسو.. لا مشكلة؟
الأم: كانت تكلمها عن المدرسة وشهر رمضان الكريم وأنها ستنشغل عنها في الأيام المقبلة..
الأب: نعم.. هذا شهر فضيل.. وصادف مجيئه هذا العام مع مطلع السنة الدراسية.. يعني صيام وعمل.. وهذه ميزة المسلم في رمضان وفي كل الأيام..
دانة: ماذا تقصد يا أبي؟
الأب: الإسلام يا حبيبتي يدعو الناس للعمل بجد ونشاط مع الصيام.. ولا يجب أن نتحجج بالصيام لنترك أعمالنا.. بل على العكس.. الصيام يجب أن يمنحنا نشاطا أكبر لأن الجسم يكون مستريحا من الطعام المتعب...
الأم: إلا في حالة واحدة... (ههههههههههه). تضحك..
دانة: وما هي يا أمي؟
الأم: عندما يهجم الصائم على الطعام ساعة الإفطار ويملأ معدته حتى يتخم.. ويعلو بطنه ولا يعود يستطيع المشي بسهولة.. ويمشي كأنه رجل عجوز وبطنه أمامه ورأسه مرتفعة.. ويقول آآآخ آآآخ... بطني.. بطني...
( تقوم الأم بتقليد كل الحركات التي قالتها)..
الأب ينظر الى بطنه الكبير.. يقول: ماذا تقصدين؟
الأم: يا زوجي العزيز.. بالتأكيد أني لا أقصدك أنت..
( يضحك الجميع)
(الختام)


صديقان في ورطة
د.طارق البكري

جهاد وكمال في ساحة المدرسة وحولهما اولاد يلعبون.
جهاد: كمال.. أحتاج لمساعدتك..
كمال: وما هو الجديد؟ دائماً تطلب مساعدتي وأوافق..
جهاد: هذه المرة الأمر مختلف.. لا أريدك أن تساعدني مساعدة عادية أريد مساعدة مختلفة.
كمال: هل هذا لغز؟
جهاد: كفاك سخرية.. أريد مساعدة وليس تسلية..
كمال: إذن قل ماذا تريد؟
ينظر جهاد حوله ليتأكد أنّ أحداً لا يسمعه.
جهاد: الأستاذ جميل مدرس الرياضيات، أشعر أنّه غاضب مني بلا سبب..
كمال: بلا سبب؟؟
جهاد: المشكلة أنني أخشى أن يضرني في النتيجة؟
يقترب كمال من أذن جهاد: لو كان هذا حقيقي.. لا أظنة سيظلمك؟
جهاد مطأطئ الرأس: حاولت التحدث معه مرتين ولم يستمع لي.. قل لي هل ستاعدني؟
كمال مستغرباً بالطبع.. ولكن كيف؟
جهاد يمسك يد كمال ويقول له: لنذهب اليه نكلمه.
كمال: موافق ولكن قد يتفاجأ وتكون ردة فعله قاسية.
جهاد باصرار: هيا.. هيا.. قبل أن تنتهي فترة الاستراحة.
يتوجه الاثنان إلى الأستاذ جميل بخجل.
جهاد وكمال يطرحان المسألة.. يسألان المدرس عن موقفه من جهاد.
يضحك المدرس ويكاد يسمعه كل من في المدرسة...
يصاب جهاد وكمال في حالة ذهول..
يقف الأستاذ جميل ويقول: هيا.. هيا.. إلى الفصل بسرعة قبل أن أغضب عليكما فعلاً .. من أين لكما هذا الخيال الواسع؟؟
يخرج الصديقان وهما يركضان..
كمال: لقد ورطني بأفكارك الغريبة.. كيف صدقت توهماتك الخيالية؟؟
جهاد: أصبحت الآن توهمات؟؟
يمسك كمال بيد جهاد ويسحبه بقوة: هيا إلى الفصل الآن وبسرعة... فقد تأخرنا على مدرس العلوم.. اسرع قبل أن يغضب منا.. ولن يكون عندها أية توهمات..


المغامرات الصغيرات
د.طارق البكري

إيمان طفلة في العاشرة من عمرها، تحب التعرف إلى كل جديد، وإلى صديقات جديدات. إيمان تتحدث إلى صديقتها سهى:
ما رأيك أنْ نزور معاً البنات اللاتي في عمرنا في أندية الاحتياجات الخاصة.
سهى: فكرة جميلة، لكنْ ما الهدف؟
إيمان: لنتعرف إلى صديقات جديدات لهنّ حاجات خاصة مختلفة عنّا، ونتعرف إلى طريقة حياتهن..
سهى: رائع.. وما رأيك أن نخبر أبلة سامية، مدرسة الفصل بذلك، ربما نذهب ضمن مجموعة من المدرسة.
إيمان: موافقة.. هيا بنا..
عرضت إيمان وسهى الفكرة على أبلة سامية فقالت: عمل طيب، وفيه تآلف وأخوّة.. ولكن لماذا تعتقدن أنهم مختلفات عنكن.. فهن مثلكن تماماً يدرسن ويلعبن ويفرحن...
سهى: من أين بدأ؟
أبلة سامية: لنشكل فريقاً من الطالبات ثم نجري اتصالاً بأحد الأندية..
إيمان: لنبدأ فوراً.
الطالبات في الفصل وافقن على الفكرة، وانتخبن مجموعة صديقات ليذهبن في أوّل زيارة، وعلى رأسهن سهى وإيمان وأبلة سامية.. وقررن أنْ لا يقلن أصحاب الاحتياجات الخاصة بل أصحاب الاحتياجات الإضافية.. وستكون الزيارة الأولى في عطلة نهاية الأسبوع إلى فتيات نادي الصم والبكم بعد الحصول على الموافقة.
وعندما جاءت عطلة نهاية الأسبوع تجمّعت الفتيات منذ الصباح الباكر في باحة المدرسة الخارجية وانطلقن برفقة أبلة سامية في باص المدرسة.
ودار الحوار التالي:
أبلة سامية: ما رأيكن أن نطلق على مجموعتنا اسماً معينا؟
سهى: فكرة طيبة..
إيمان: أقترح اسم مجموعة السعادة..
قالت أخرى: أو اسم مجموعة الأخوات السعيدات.
قالت فتاة اسمها وردة: الاسمان جميلان.. لكن ما رأيكن باسم المغامرات الصغيرات..
الجميع دون تردد: رائع.. رائع.. لنكن (المغامرات الصغيرات).
يصل الباص إلى النادي.. وتترجل الفتيات منه..
تستقبلهن رئيسة النادي مرحبة بلغة الصم والبكم..
تبدأ البنات بمحاولة التواصل بالإشارة.. ويشعرن بمعاناة لأنهنّ لا يفهمن هذه اللغة..
تقول سهى: التواصل معهن صعب.. لا أدري كيف يقتفاهمن مع بعضهن بعضاً؟
تقول أبلة سامية: للصم والبكم لغة إشارة خاصة يعرفونها، ويتفاههمون بها بوضوح فيما بينهم..
إيمان: أبي يعرف لغة الصم والبكم..
وردة: يجب أن نتعلم أهم كلماتها لنتحاور معهن..
سهى: هذه أول عقبة نواجهها.. لكنها بسيطة بإذن الله..
وردة: لا بأس لنستخدم أولاً القلم والورقة..
قالت فتاة اسمها دعاء: أنا خطي جميل.. وواضح... سوف أتولى المهمة..
قالت إيمان: وأنا معي قلم ودفتر.. كنت أريد أنْ أدوّن المعلومات لأضعها في لوحة الحائط في المدرسة..
أبلة سامية: يا لها من أفكار مبدعة..
السيدة سامية مديرة النادي تشير لهن بالدخول.. فيتفاجأن بعدد كبير من عضوات النادي بانتظارهن في الباحة الداخلية..
سهى وهي تضحك بسعادة: مغامرة فريدة جديدة..
إيمان: سأحاول تعلم لغة الإشارة لأتكلم معهن..
بنات النادي رحبن بالمغامرات بحرارة.. ودعوهن بلغة الإشارة للقيام جولة في النادي...
تدخل الفتيات إلى النادي حيث يلتقين بمجموعة كبيرة من الفتيات ويكون لقاء أخوياً حميماً.. ويقضي الجميع فترة مسلية تتعلم فيها الفتيات المغامرات كثيراً عن حياة الصم والبكم.. ويعرفن أنهن مثلهن تماماً.. يدرسن ويقرأن، ويتعلمن، ويتحاورن.. بأسلوبهن وبطريقتهن الخاصة.. وبينهم المبدعات والشاعرات والرسامات واللاعبات الماهرات في الرياضة والسباحة وغيرها من الأنشطة الرياضية.. حتى إن فتيات النادي كن يتغلبن على الفتيات المغامرات في بعض الأنشطة التي أقمنها داخل النادي.. لكنهن من لطفهن كن يخسّرن أنفسهن من أجل أن تربح ضيفاتهن المغامرات..
وفي ختام الرحلة الممتعة قدمت فتيات النادي لصديقاتهن الجديدات تذكارات جميلة من صنع أيديهن فيها كثير من الإبداع، مثل لوحات رسم وأشغال يدوية وأشكال فنية متنوعة..
وخرجت المغامرات من النادي بعد تجربة جديدة فريدة.. سعدن بها، وقررن أن يخبرن صديقاتهن في المدرسة عن هذه التجربة بانتظار تجربة جديدة أخرى...


الصديقات وعطلة العيد
د.طارق البكري

اقتربت عطلة العيد، وكانت الصديقات: نوره وموضي ودلال وغيداء وعنود، فرحات بالأيام التي سيقضينها بعيداً عن المدرسة، والدرس ووجع الرأس..
اجتمعت الصديقات في باحة المدرسة تخبر كل واحدة منهن عن الأشياء التي ستفعلها خلال العطلة الطويلة.
قالت نوره: سأنام كثيراً.. ما أثقل تعب المدرسة.. نستقيظ قبل طلوع الشمس ونقضي النهار بالدراسة.. تعب في تعب... أوووف.
وافقت الصديقات على كلام نوره.. واتفقن على أن يلتقين معاً خلال عطلة العيد..
قالت موضي: ما رأيكن بما تفعل بعض البنات بالتغيب عن المدرسة بيوم أو يومين أو ربما ثلاثة أيام قبل العيد وبعده..
دلال: هذه فكرة لا أقبلها.. لكنني دائما ألاحظها..
عنود تعترض على كلام دلال: رغم أني لم أفعل ذلك من قبل، لكن لا بأس بالفكرة، فما المشكلة أن أتغيب بضعة أيام وأزيد من عطلة العيد, ففي جميع الأحوال كثير من الطالبات يتغيبن عن المدرسة، والمدرسات يقمن بإعادة الدرس وشرحه مرة ثانية..
موضي: ولكن ذلك خطأ..
نوره: رغم أني أوافق عنود في رأيها، لكني لا أحب التغيب عن المدرسة.. فالتغيب يضر بي أولاً، ولا يفيدني بشيء.. فأنا أشعر بالحزن عندما أتغيب ولو بسبب المرض وأرى صديقاتي يذهبن صباحاً إلى المدرسة...
غيداء: كلامكن محق.. ولكل منكن وجهة نظر صحيحة.. ولكن في النهاية لا بد أن نعترف بأن التغيب عن المدرسة دون سبب شيء سيء..
دلال: والأسوأ من ذلك كله التغيب عن المدرسة من وراء الأم والأب، ودون علمهما.. وقد تقضي البنت المتغيبة يومها خارج المدرسة وتعود إلى المنزل وكأنها تعود من المدرسة..
موضي: لا.. لا أقبل ذلك أبداً.. ثم أين الآباء والأمهات الذين تتغيب بناتهم عن المدرسة ولا يدرون بذلك، وهذا أمر ليس من عاداتنا ولا من ديننا...
عنود: صدقت يا موضي... أنا لا أقصد ذلك.. أقصد أن أتغيب بعلم أبي وأمي ونقضي الوقت بصحبة الأسرة ليطول وقت العيد.. كما أن بعض الأسر تسافر إلى الخارج..
دلال: هذه مشكلة فعلا.. وحلها بسيط..
غيداء: على العموم.. ما هو اقتراحك إذن يا ست دلال؟..
دلال: مممم.. أقترح أن يزيدوا من أيام العطلة.. وبذلك لا يتغيب أحد ويقضي الناس أوقاتهم بسعادة..
تضحك عنود بفرح وتقول: يا لها من فكرة رائعة هههههههههه (تضحك بصوت عال).. هل تعتقدين أن هذه الفكرة سوف تنهي المشكلة؟؟.. على الإطلاق.. سوف يزيد الناس من أيام العطلة ويأخذون أياما إضافية أكثر فوق العطلة..
دلال: بصراحة.. أنت محقة..
موضي: لا فائدة.. لا فائدة.. لكن هل يعني ذلك أن المشكلة ستظل قائمة..؟
عنود: يمكن أن نجد حلاً..
دلال: وكيف ذلك يا صاحبة الأفكار الخطيرة..؟
عنود: أن يكون هنالك حزم شديد مع التغيب.. وكل بنت تتغيب تنقص درجاتها... ولن يكون غير ذلك....
الجميع بصوت واحد: مستحيل.. هذه فكرة غير منطقية..
عنود: طيب يا ذكيات ما هو الحل برأيكن؟
دلال: أرى أن المشكلة صعبة على الحل..
غيداء: أوافق على ذلك.. ولكن لا بد من حل.. وأعتقد أن المشكلة أصبحت شيئا عاديا ومتعارفا عليه.. وحتى الصحافة تذكر ذلك.
موضي: لنفكر بحل آخر..
دلال: الآن للنذهب إلى الفصل فقد تأخرنا عن الحصة الأولى دون أن نصل إلى نتيجة.
عنود: أعتقد أن المشكلة ستستمر حتى تتخذ تدابير قاسية بحق المتغيبات...
غيداء: هيا إلى الفصل بسرعة.. لإننا إذا لم نذهب فوراً الى الفصل فسوف تتخذ المدرسة بحقنا تدابير أقصى..
وتركض البنات نحو الفصل بسرعة فقد بدأت الحصة الأولى دون أن يصلن إلى نهاية للمشكلة..
لكنهن لم يكملن الحوار فيما بعد.. وعندما التقين من جديد تحدثن عما سيفعلن أيام العطلة.. وما قبلها وما بعدها...


حكايات الشيخ والأصدقاء
د.طارق البكري

1 - علي والأصدقاء

2 – أبو تراب

3 – الصداقة والوفاء

4 – علاقة حميمة بين عمر وعلي

5 - لا تذكر علياً إلا بخير

6 - أويس اليمني

7 – ذكاء علي رضي الله عنه

8 – حب وود



1 - علي والأصدقاء
د.طارق البكري

في بلدةٍ بعيدةٍ.. كانَ هنالك ولدٌ صغيرٌ اسمهُ علي..
عاش عليٌّ في بلدته الهادئة التي تنتشر في سهولها وعلى تلالها وجبالها الأشجار المثمرة على أشكالها وأنواعها.. وتزينها الورود.. ويكسو أرضها بساط أخضر يملأ أنحاء البلدة معظم شهور السنة.. فتبدو البلدة في أجمل صورة وأبهى حلة على الدوام...
نشأ عليٌ في هذا الجو البديع.. يلهو ويلعب.. ويتعلم في مدرسة البلدة..
في أحد الأيام.. كان علي يلعب مع أصدقائه الصغار في باحة المسجد الخارجية لعبة (كرة القدم).. وكان الأولاد يصرخون ويرفعون أصواتهم من شدة حماستهم.. وفرحهم باللعبة.. وفي ركلة قوية من عليّ أصابت الكرة أحد أصدقائه الذي لم يتمالك نفسه فوقع أرضاً من قوة الركلة.. فنشبت بينهما مشادَّة.. فغضب علي وهمّ بضرب الفتي.. وقد كان علي أقوى منه..
وكان رجل شيخ يراقب هذا المشهد.. فنادى علياً بصوت المحب:
إهدأ يا ولدي.. وكن كأبي تراب.. فأنت تحمل اسمه..
عنما سمع الصغار هذا الصوت تجمَّدوا في مكانهم..
لم يتوقعوا وجود أحد قرب المسجد في هذا الوقت الحار من النهار، فقد مضى على صلاة الظهر أكثر من ساعة.. وذهب المصلون إلى بيوتهم.. لكن شقاوة الصغار تأبي أن ترتاح في وقت الظهيرة.. حيث يحلو اللعب والمرح والصراخ بعيداً عن الآخرين..
نظر الصغار نحو الشيخ الكبير.. كانوا يعرفونه جيداً.. فهو يحافظ على الصلاة دائماً في المسجد.. لكنهم لم يروه سابقاً في غير أوقات الصلاة.. فنادراً ما يخرج من بيته لغير الصلاة..
لم يكن كثير الكلام..
يؤدي الصلوات في أوقاتها...
يجلس في زاوية من زوايا المسجد.. يقرأ صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم.. ثم يعود إلى بيته مستنداً إلى عكازه.. يستند عليها وقد انحنى ظهره إلى الأمام، وتطاولت لحيته البيضاء الناعمة.. التي كانت تلمع تحت أشعة الشمس، فتبدو في حسنها وجمالها مثل الذهب اللامع المضيء..
نظر الأولاد نحو الشيخ باستغراب.. وتحوّل ما كان من صخبهم ولعبهم إلى هدوء وسكينة..
وتوقف الأصدقاء عن اللعب وتركوا الكرة... ولم يكونوا قد لاحظوا من قبل وجود الشيخ قربهم، ولم ينتبهوا إلى أنّه كان يتابع لعبهم ومرحهم.. وكذلك خصامهم..
وكان علي وصديقه خجلين من نفسيهما لرفعهما صوتهما عالياً وهم في ظلال المسجد.. وقريباً من مئذنته..
لم يتكلم الصغار كلمة واحدة..
لم يكن المشهد بالنسبة لهم عادياً..
الرجل لم يعتد أن يجلس مرة واحدة في هذا المكان.. ربما كان يجلس في الماضي، وليس على أيامهم وفي حدود أعمارهم الصغيرة..
كان الرجل طويل القامة ممتداً.. وبشرته تميل إلى الاسمرار.. ويكلل رأسه شيب مثل الثلج الأبيض... وكان شعر رأسه ولحيته ناعماً غزيراً.. وفي ملامحة قوة الرجولة.. وفي كلامه بلاغة الرصانة والحكمة.. لذا لم يكن أحد من الصغار وربما الشباب، يجرؤ على التحدث إليه.. مع أنّ الرجل لم يكن مخيفاًً.. لكن كبر سنه.. ونحول جسمه، وندرة خروجه من المنزل.. كل ذلك كان حائلاً بينه وبين الجيل الجديد من أبناء البلدة.. خاصة أنّه من بين أكبر رجال البلدة سناًَ.. إن لم يكن أكبرهم على الاطلاق..
عندما سمع الأطفال صوت الرجل ورأوه ينظر إليهم؛ نظر بعضهم إلى بعض أن "هيا نغادر المكان".
عليٌ كان إحساسه غير ذلك..
وفي الوقت الذي تراجع الأطفال فيه إلى الخلف.. ظلّ علي واقفاً في مكانه يترقب..
فناداه الأصدقاء ليذهب معهم كل إلى بيته.. لكنّه ظل واقفاً ولم يتحرك..
كان الرجل يتأمّل المشهد بصمت، راسماً ابتسامة طيبة على شفتيه..
أراد علي الاقتراب من الرجل ليسلم عليه ويصافحه بيده..
طلب منه أصدقاؤه أن يبقى بعيداً عنه..
لكن علياً سار نحو الشيخ وكأنه لم يسمع كلمة واحدة.. وبسط يده مصافحاً... فرحب به الشيخ ودعاه للجلوس معه على مقعد قريب.. ونادى الأصدقاء الصغار للتقدم.. فتقدموا وهم على رهبة من هذا الشيخ الوقور..
فقال مطئناً: أجلسوا يا أحبائي.. ما بكم هكذا تجمدتم في مكانكم؟؟ أنا مثل جدكم.. اجلسوا ولا تخافوا..
فجلس الصغار.. متعجبين من صوت الرجل الرخيم.. ونطقه البليغ السليم..
قال عليٌّ بعد أن اطمأنَّ هو واطمأنَّ مثله الجميع:
لماذا قلت لي يا جدّنا كنْ كأبي تراب..
قال الشيخ الوقور والابتسامة تزيِّن وجهه الجميل:
يا بنيّ الحبيب.. أنا أعرف كل أبناء بلدتنا تقريباً.. وجدك (علي) رحمه الله كان صديقي.. وأنت يا عزيزي تحمل اسم جدك.. لقد مات صغيراً - رحمه الله - كان طيباً وأنت طيب مثله.. وقد ساءني أن تتعارك مع صديقك وابن بلدتك.. وانتما تصليان في مسجد واحد..
قال عليٌ: نحن لم نكن نتعارك.. وهذا ما يحدث مع كل الصبيان وفي كل مناسبة.. وقد اعتدنا على ذلك.. نتعارك ثم نتصالح.. ولكن ما علاقة عراكنا باسمي وبكنية أبي تراب؟؟!
قال الشيخ: بارك الله بكم يا أحبائي... ونحن أيضاً كنا مثلكم..
ثم ضحك الشيخ ضحكة من القلب شعر كل الصغار بعدها أنّه قريب منهم..
فقال الشيخ: آه يا أبنائي.. يا ليتني كنتُ أستطيع اللعب معكم كرة قدم.. إنَّها لعبة جميلة.. لكن كيف ألعب وأنا احمل هذه العصا الغليظة..
وقال ممازحاً: لو لعبت معكم سأغلبكم جميعاً لذا لا توجهوا الكرة نحوي بل نحو عصاتي... فسوف أقع على الأرض فوراً..
فضحك الصغار من لطف الشيخ..


2 - أبو تراب
د.طارق البكري

قالَ علي: يا شيخنا.. أكرّر سؤالي لو سمحت لي؛ كنيتني بأبي تراب.. لماذا يا شيخ.. ولماذا قلت لي كن كأبي تراب.. وما علاقة ذلك باسمي..
قال الشيخ بعدما أجال بصره في البستان القريب.. ثم عدّل عمامته على جانب راسه.. وأمسك لحيته بحركات متتالية:
عندما شاهدتكما تتعاركان.. قلت لك كن كأبي تراب.. لأنّ اسمك علي.. وكنية ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، علي بن أبي طالب رضي الله كانت (أبا تراب).
فقال الأطفال جميعاً: صلى الله وسلم على رسولنا الكريم وآله الكرام الأطهار ورضي الله عن صحابته أجمعين..
وتابع الشيخ يقول: لقد كان علي رضي الله عنه قوي البنية فارساً من الفرسان الأشداء.. لكنَّه مع قوته وشدّته كان لطيفاً مع أصدقائه وأقرانه، وخاصة الضعفاء منهم، وكان يسامح من أساء إليه، ويساعد من يحتاجه..
تأمّل عليّ كل ما قاله الرجل العجوز ففهم مقصده..
التفت الشيخ إلى الولد الذي كان علي يكاد يتعارك معه، وقال له: وأنت يا بني.. اسمك عمر أليس كذلك..؟
فقال الصغير وقد أصابته الدهشة: نعم يا عمي.. ولكن كيف عرفت اسمي؟
قال الرجل: إني أعرف معظم أبناء بلدتنا.. لكني في الحقيقة لا أعرف كل الأطفال.. أعرف فقط من يرتاد المسجد بانتظام.. أحفظ اسماءهم من مناداتهم لبعضهم بعضاً..
نظر الشيخ إلى الأطفال وكانوا يستمعون إلى كلامه بدهشة.. ثم راح يشير بطرف عكازه نحوهم واحداً واحداً ويقول: أنت اسمك عامر، وأنت شهاب، وأنت عبد العزيز، وأنت محمد، وأنت عبيدة.. وسماهم جميعاً بأسمائهم وكانوا أكثر من عشرة أولاد...
نظر الأولاد إلى الرجل العجوز مستغربين من شدة انتباهه وقوة ذاكرته..
وتابع حديثه قائلاً: عندما رأيت علياً وعمر يتجادلان.. صحت وقلت لعلي: كن كأبي تراب.. وأقصد أن يكون صديقاً صدوقاً محباً وفياً وحامياً ومدافعاً عن صديقه عمر، كما كان عليٌ رضي الله عنه صديقاً صدوقاً وفياً مخلصاً لصديق عمره عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعاً.. لا أنْ يكونا خصمين يكره أحدهما الآخر..


3 – الصداقة والوفاء
د.طارق البكري

قال عبيدة.. وكان الجميع يريدون أن يعرفوا سر هذه الصداقة بين هذين الرجلين العظيمين التي يتحدث الشيخ عنها، وأحدهما من آل بيت النبي الكريم والآخر من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..
قال عبيدة: حدثنا يا عمي عن سر هذه الصحبة المباركة؟
سُرّ الشيخ من نباهة عبيدة وذكائه.. وحبّه للتعرف والتساؤال عمّا يريد معرفته..
فقال له: سؤالك طيب يا عبيدة.. وسأجيبك بكلّ بساطة ويسر إنّ شاء الله تعالى.. لقد كان الرجلين شديدا الشجاعة والحكمة والصّلابة في الدفاع عن الدين.. وكانا متقاربين في كلّ المناسبات.. في حياة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبعد وفاته.. وبقيا صديقين حتى استشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد لؤلؤة المجوسي الذي اغتاله وهو يصلي في الناس إماماً.. فأوصى عمر بالخلافة بين ستة رجال يتشاورون ليختاروا من بينهم خليفة للمسلمين.. وكان علي رضي الله عنهم جميعاً واحداًً منهم.. وبعد وفات عمر لم يكن علياً عليه السلام يذكره إلا بخير..
وسكت الشيخ قليلاً.. وطلب أن يحضر له أحد الصغار قليلاً من الماء ليشرب.. فهبوا جميعاً يتسابقون إلى ذلك.. فسبقهم علي.. وأحضر كوباً من الماء.. شربه الرجل وقال لعلي: اسقاك الله من ماء الجنة يا أبا الحسن..
فتعجب علي وقال: ها أنت تكنيني بكنية أخرى..
فضحك الشيخ وقال: هذه كنية ثانية لعلي رضي الله عنه.. هل نسيت أنّه والد سيدي شباب الجنة.. الحسن والحسين عليهما السلام..
قال علي: نعم.. نعم.. هذا صحيح.. أعذرني يا عم، فقد كنت مأخوذاً بكلامك السابق..
ضحك الشيخ من أعماق قلبه ثم قال: جزاك الله خيراً يا ولدي.. فأنا لم أضحك هكذا منذ زمن بعيد..
ورفع الرجل رأسه عالياً..
كانت الشمس تتخلل لحيته البيضاء الكثة الطويلة.. فتلمع كالذهب الأبيض.. ثم قال: اسمعوا يا شباب.. وخاصة أنت يا أبا الحسن.. وأيضاً يا أبا تراب.. إنّ الإمام علي كرّم الله وجهة.. كان من أشد الناس قرباً إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه..
فقال عمر الصغير عندها: لقد أثرت فضولي يا جدي.. وأريد أن تخبرنا المزيد عن هذه العلاقه بين علي وعمر رضي الله عنها..
أحنى الشيخ الكبير رأسه خشوعاً وتواضعاً حتى لامست ذقنه عصاته.. وغطت لحيته أطراف يديه وهو يضعهما على رأس العصا ويسند ذقنه على قبضة يديه..
ثم قال: هما معاً رمزٌ الشجاعة والبطولة معاً.. هما شعارٌ للأخوة في الإسلام.. الأول ابن عم رسول الله ومن آله الكرام.. والثاني نسيب آل البيت؛ من جهة محمد (صلى الله عليه وسلم) ومن جهة علي رضي الله عنه.. وعمر الفاروق أعدل من مشى على الأرض يومها.. وإذا ذكر العدل.. يذكر عمر.. وإذا ذكر عمر.. يذكر العدل..
فقال الجميع: اللهم صل على محمد وآل محمد وأصحاب محمد..
قال الشيخ وقد غمرت وجهه وقلبه علامات الرضا والسعادة: بارك الله بكم يا أبنائي.
ثم قال الشيخ: لقد كان الحب يربط قلبَيّ هذين الشيخين الجليلين..
فقال عمر بعد أن صمت الشيخ متأملاً: يا عمّاه، قلت إنّ عمر رضي الله عنه ناسب آل بيت النبي عليه وعليهم السلام.. من جهة النبي الكريم ومن جهة علي؟؟ كيف ذلك؟
أجبابه الشيخ: نعم يا بني.. فقد تزوج عمر بن الخطاب ابنة علي بن أبي طالب (أم كلثوم) رضي الله عنهم جميعاً، وأمّ كلثوم هي ابنة السيدة فاطمة ابنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. وهذا يعني أنّ جدَّ فاطمة هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. وفي هذا تشريف عظيم لا يناله إلا المقربون.. وهل يفعل ذلك إلا المحبون لبعضهم؟؟ وهل يتزوج الرجل أو يزوج ابنته رجلاً لا يحبه أو يشكّ في أمره.. فكيف ونحن أمام ابن عم رسول الله.. وصاحب رسول الله.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..
فقال أبو تراب الصغير: صدقت يا عمي..
وقال صديقه محمد: شوقتنا يا جدي للمزيد.. أخبرنا عن هذه القصة..
فقال الشيخ: اعلموا يا أبنائي، أنّ هذا الزواج كان نموذجاً مميزاً للعلاقة الحميمة بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين آله الأطهار.. سلام الله عليهم أجميعن.. ومنه هذا الارتباط القوي بينهما.. وهو خير دليل على متانة العلاقة بين الاثنين.. أي بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبين صحابته الكرام.. وخاصة بين علي وبين عمر..
وتوقف الشيخ قليلا عن الكلام ثم تابع قائلاً:
عندما خطب الفاروق عمر السيدة (أم كلثوم) من أبي تراب رضي الله عنهم جميعاً.. سئل الفاروق عن السبب، فقال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)..
وهنا توقف الرجل عن الكلام.. بعد أن ارتجّ صوته..
ورأى الصغار دمعة تسيل من عين الشيخ الكبير..
وبعد قليل تابع الشيخ حديثه قائلاً:
ومن الروايات التي تروى عن خطبة عمر لأم كلثوم رضي الله عنهما أنّه لمّا جاء يطلب الزواج منها أخبره علي أنّه يريد تزويجها لابن اخيه عبدالله بن جعفر وهو يعدها لذلك.. فأصرّ عمر على الزواج منها.. ثم أتى عمر المهاجرين وطلب منهم أن يهنئوه..
فقالوا: بم نهنئك يا أمير المؤمنين..
فقال: بأم كلثوم.. بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي.
استمع الأصدقاء الصغار إلى هذه القصة الرائعة وكانوا صامتين هادئين وكأن على رؤوسهم طير..
وساد صمت لحظات.. لم يقطعه سوى صوت زقزقة الطيور وحفيف أغصان الشجر..

ثم تابع الشيخ قائلاً:
هكذا كان عزم عمر رضي الله عنه .. وقد قبل علي أن يزوِّج ابنته لعمر.. وبذلك أكرم الله عمر بأنْ أصبحَ أكثر قرباً لبيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
فاستغرب عبدالعزيز وقال: ماذا تقصد بأنّه أصبح أكثر قرباً يا شيخنا؟
فقال الشيخ بخشوع شديد: لقد أراد عمر أن يزيد في نسبه ومصاهرته لآل بيت النبوة، فمن المعروف أنّ الرسول الكريم كان قد تزوج من ابنة عمر أم المؤمنين (حفصة بنت عمر) رضي الله عنهما.. وبذلك تكون ابنة عمر أماً لعلي.. وفي الوقت نفسه يكون عمر زوجاً لابنة علي..
فقال علي: الله أكبر!!
وقال صهيب: كم أكرم الله عمراً الفاروق بذلك؟؟ فرسول الله زوج ابنته.. وهو زوج حفيدته..
فصاح شهاب: يا لها من علاقة عظيمة تربط عمراً ببيت النبوة..!!
هنا علق الشيخ بقوله: نعم يا أولادي.. ملاحظاتكم دقيقة جداً.. وصحيح ما ذكرتم... فلو كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرى في عمر شيئاً فيه خطأ ولو بسيط لما قبل بمصاهرته.. وكذلك علي.. فهل هنالك حجة أقوى من هذه الحجة تثبت المحبة الكبرى التي كانت تربط بين عمر وآل بيت النبوة...
فقال عامر: صدقت يا جدنا.. صدقت..
فردد الصغار من بعده: نعم.. لقد صدقت يا جدنا..


4 – علاقة حميمة بين عمر وعلي
د.طارق البكري

قال محمد أصغر الأصدقاء الصغر سناً بحماسة: حدثنا يا شيخنا.. وزدنا علماً.. زدنا..
فقال الشيخ الوقور: الروايات كثيرة يا أبنائي.. وأنا رجل كبير في السن.. وذاكرتي ضعيفه.. أنهكتني السنين.. وبدأت أشعر بالتعب.. لكنكم تمنحوني قوة عجيبة وأنا أتحدث معكم.. أنتم تمدوني برائحة الشباب وأنا أرى هذا البريق في عيونكم.. حفظكم الله جميعاً.. سأتابع كلامي، وعندما أصاب بالإرهاق سأتوقف عن الكلام.. وأعود إلى البيت.. لأنتظر صلاة العصر ثم أعود إلى المسجد..
فقال أحد الأطفال باستعطاف: لم يتبقَ وقت طويل.. سيؤذن لصلاة العصر بعد فترة قليلة.. أبقَ معنا..
نظر الشيخ نحو الشمس.. وتنهد من أعماق قلبه.. ثم قال: هنالك دلائل كثيرة تؤكد عمق العلاقة الحميمة بين عمر وعلي رضي الله عنهما، سأخبركم عن بعضها.. وعسى أن تسعفني ذاكرتي.. فما رأيكم؟
جميع الأصدقاء أكدوا رغبتهم بالمزيد..
شعر الشيخ بانشراح.. وأسند ظهره إلى الحائط وراءه.. وألقى ببصره نحو الأفق البعيد، ثم قال: اسمعوا ما أقول واحفظوه يا أبنائي:
- عندما بويع عمر بالخلافة لم يتأخّر علي بالمبايعة..
- لقد كان عمر رضي الله عنه يستشير علياً بصورة دائمة وخاصة عندما أصبح خليفة للمسلمين.. كما كان علياً يستشير عمر على الدوام..
- استخلف عمر علياً على المدينة في ظروف وأحوال مختلفة، ومن القصص التي تروى؛ أنّه عندما ذهب عمر ليتسلم مفاتيح بيت المقدس، استخلف علياً على المدينة المنورة، فأمّنه عليها وعلى المسلمين جميعاً، وكانت الرحلة طويلة، فقد كانوا ينتقلون مشياً وعلى الدواب.. وكان الطريق بعيداً ولا يسلم أحد من المسير الطويل.. فلو حدث أي مكروه للخليفة على الطريق فإنّ علياً رضي الله عنه كان سيصبح خليفة للمسلمين..
- علي رضي الله عنه سمّى أحد أبنائه باسم عمر.. وهذا دليل عظيم.. فالأبناء هم زينة الحياة الدنيا، وعندما يسمّي الرجل ابنه على اسم رجل آخر لا شك بأنّه يحبه حباً جماً..
- وكان عمر يردد: (أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن).. يعني علياً رضي الله عنهما.
- ومن الأقوال الثابتة عن الفاروق قوله: (لولا علي لهلك عمر)، من شدة تعلق عمر به وثقته بدوره في حياة الأمة.
- عندما حج عمر في آخر عهده وقبل أن يتعرض للاغتيال كان علي معه في الحج ورافقه في مواقف كثيرة..
- ولما طعن عمر رضي الله عنه وقبيل موته شهيداً أوصى بالخلافة لستة رجال، يكون الأمر شورى بينهم يكون الخليفة واحداً منهم، وكان من بين الرجال الستة (علي) رضي الله عنه.
وأراد الشيخ أن يقف.. فساعده الصغار على النهوض، فقال: شكراً يا أبنائي .. لقد تعبت من الجلوس لنمشي قليلاً..
ثم قال ممازحاً: لا تتعجبوا لو سبقتكم في المشي.. وأدهشتكم في السباق..
فضحك الصغار من لطف الرجل العجوز وبساطته معهم..
ثم تابع حديثه قائلاً:
من القصص الرائعة التي تدل على هذه العلاقة الحميمة الخاصة والثقة بين الاثنين، أنّه لما ولي عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر الصديق مكث زمناً لا يأكل من بيت مال المسلمين شيئاً.. حتى ضعف جسمه.. ولم يعد يكفيه ويكفي مؤونة بيته ما كان يربحه من تجارته لانشغاله عنها بأمور الرعية.. فأرسل بطلب أصحاب رسول الله يسألهم ويستشيرهم.. قائلاً: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي فيه؟
فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: كل وأطعم.
وقال غيره مثل ذلك.. لكن عمر لم يطمئن قلبه..
فتوجه نحو علي رضي الله عنه وقال له: ما تقول أنت في ذلك؟
فقال علي: غداء وعشاء.. (يعني ما يكفيه لوجبتين في اليوم فقط).
فأخذ عمر برأي علي..
وعقب ذلك بيَّن عمر رضي الله عنه حظه من بيت المال فقال: إنّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيّم اليتيم، إنْ استغنيت تركته، وإنْ افتقرت إليه أكلتُ بالمعروف..


5 - لا تذكر علياً إلا بخير
د.طارق البكري


قال الشيخ بعد فترة من المشي طريق قرب المسجد:
أذكر أنّي قرأتُ منذ زمن طويل.. أنَّ عمر وعلي كان يمدح بعضهماعلى بعض.. وكان يستشير الواحد الآخر في كثير من الأمور.. ولا يرضى واحد منهما أن يقول الناس عن صاحبه ما يسوءه..
ثم قال: ومن ذلك أنّ رجلاً ذكر علياً رضي الله عنه بسوء.. فسمعه عمر.. فقال له مشيراً إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أتعرف صاحب هذا القبر؟ إنّه محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب.. وعلي هو ابن أبي طالب بن عبد المطلب!! ليذكِّره بأنَّ علياً من بيت النبوة الشريفة..
ثم قال له: لا تذكر علياً إلا بخير.. فإنّك إنّ أبغضته آذيت هذا في قبره (صلى الله عليه وسلم).
وهنا سأل صهيب الشيخ عن حبّ عمر لعلي وهل كان يتوقف على علي وحده أم يمتد لأبنائه؟؟
فسرّ الشيخ من هذا السؤال، وقال لصهيب: أنت ولد نبيه يا صهيب.. وأستطيع أن أؤكد لك أنّ حب عمر لعلي لم يكن ليتوقف عند حب علي فقط.. فقد كان حبّه يمتد إلى أبنائه.. عليهم صلوات الله وسلامه..
فقال محمد: أرو لنا يا شيخنا حادثة تبين بعضاً من هذا الحب؟
قال الشيخ: سمعاً وطاعة يا ولدي..
في أحد الأيام كسا الخليفة عمر أبناء الصحابة كسوة جميلة.. واكتشف أنّه لم يكن هناك ما يصلح للحسن والحسين، فبعث إلى اليمن فأتي بكسوة لهما.. ثم قال رضي الله عنه: الآن طابت نفسي.
ومن الأحداث أيضاً أنّ الحسين عليه السلام جاء يوماً لزيارة عمر رضي الله عنه في مقر الخلافة، وكان عمر مشغولاً ومعه معاوية رضي الله عنه.. وكان عبدالله بن عمر يقف على الباب دون أن يؤذن له بالدخول..
فرجع الحسين...
وعندما علم عمر بذلك سأله عن سبب عدم دخوله؟ فأجابه بأن عبدالله وهو ابن عمر نفسه لم يؤذن له..
فقال عمر كلمة تشير إلى مكانة الحسين في نفسه: (أنت أحق بالإذن من عبدالله بن عمر).


6 - أويس اليمني
د.طارق البكري

قال الشيخ الوقور وهو يحدث الأصقاء الصغار:
من القصص الجميلة التي تجمع بين عمر وعلي وتؤكد على الصلة الكبيرة بينهما؛ أنّ أمير المؤمنين عمر حج بالناس سنة ثلاث وعشرين للهجرة، وقبيل استشهاده بفترة قليلة، وكان شغله الشاغل في حجّه البحث عن رجل من رعيته من التابعين يريد مقابلته.
وصعد عمر جبل أبا قبيس وأطلَّ على الحجيج، ونادى بأعلى صوته:
يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس؟
فقام شيخ طويل اللحية من قرن، فقال:
يا أمير المؤمنين، إنّك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لي يقال له: أويس، فأنا عمه، وهو حقير بين أظهرنا (أي ليس له أهمية)، خامل الذكر، وأقل مالاً، وأوهن أمراً من أن يرفع إليك ذكره.
فسكت عمر كأنه لا يريده ثم قال: يا شيخ وأين ابن أخيك هذا الذي تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟
قال الشيخ: نعم يا أمير المؤمنين، هو معنا في الحرم، غير أنّه في أراك عرفة يرعى إبلاً لنا.
وتابع الشيخ القصة فقال:
ركب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما على حمارين لهما، وانظرا يا ابنائي.. كان يركبان حمارين وليس فرسين ليفخرا بنفسيهما، ولم يكن معهما حرس ولا حاشية..
ثم قال: وخرجا من مكة، وأسرعا إلى أراك عرفة وكانت منطقة معروفة ترعى فيها الماشية، ثم جعلا يتخللان الشجر ويطلبانه، فإذا هما به في طمرين من صوف أبيض، يصلي إلى شجرة وقد رمى ببصره إلى موضع سجوده، وألقى يديه على صدره والإبل حوله ترعى.
وتوقف الشيخ قليلا عن الكلام لتعب أصابه.. فتشوّق الأصدقاء الصغار أكثر لسماع باقي القصة.. وانتظروا حتى استراح الشيخ قليلاً ثم تابع كلامه:
بعد أن رأى عمر وعلي رضي الله عنهما أويس وهو يصلي.. قال عمر لعلي رضي الله عنهما:
يا أبا الحسن إنْ كان في الدنيا أويس القرني فهذا هو، وهذه صفته.
ثم نزلا عن حماريهما ثم أقبلا يريدانه.
فلما سمع أويس حسهما أوجز في صلاته، ثم تشهد وسلم..
فتقدما إليه وقالا له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال أويس: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال عمر: من الرجل؟
قال: راعي إبل وأجير للقوم.
فقال عمر: ليس عن الرعاية أسألك ولا عن الإجارة، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك الله؟
فقال: أنا عبد الله وابن أمته.
فقالا: قد علمنا أنّ كل من في السموات والأرض عبيد الله، وإنا لنقسم عليك ألا أخبرتنا باسمك الذي سمتك به أمك.
فقال: يا هذان ما تريدان مني؟ أنا أويس بن عبد الله.. وكان لا يعرف أنّه يتكلم مع أطهر من الأرض في زمنه.
فصاح عمر: الله أكبر، يجب أن توضح عن شقك الأيسر.
قال: وما حاجتكما إلى ذلك؟
فقال له علي: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفك لنا، وقد وجدنا الصفة كما خبرنا، غير أنّه أعلمنا أنّ بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم، ونحن نحب أن ننظر إلى ذلك.
فأوضح لهما ذلك عن شقه الأيسر.
فلما رأى علي وعمر رضي الله عنهما اللمعة البيضاء تسابقا أيهما يقبله قبل صاحبه.
وقالا: يا أويس إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أنْ نقرئك منه السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن رأيت أن تستغفر لنا يرحمك الله فقد أخبرنا بأنك سيد التابعين، وأنّك تشفع يوم القيامة في عدد من ربيعة ومضر.
فبكى أويس بكاء شديداً..
وتوقف الشيخ عن الكلام بعد، وقد تاثر بتذكر هذه القصة كما تأثر جميع الأصدقاء الصغار..
ثم قال له شهاب: تباع يا جدي.. فقد بلغ منا الشوق غايته لمعرفة باقي هذه القصة العجيبة:
فقال الشيخ: نعم يا ولد، يرحمك الله..
ثم تابع القصة بالقول: بعد أن بكى أويس بكاء شديداً وعلي وعمر معه.. قال ودموعه تسقط على وجهه تواضعاً لله وخشوعاً أمام هذا الحظ الذي لا يناله إلا من صدق الله في السر والعلانية: عسى أن يكون ذلك غيري.
فقال علي رضي الله عنه: إنّا قد تيقنا أنك هو، ولا شك في ذلك، فادعُ الله لنا رحمك الله بدعوة وأنت محسن.
فقال أويس: ما أخصّ باستغفار نفسي، ولا أحد من ولد آدم، ولكنّه في البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات في ظلم الليل وضياء النهار..
ثم قال أويس: ولكن من أنتما يرحمكما الله؟ فإني قد خبرتكما وشهرت لكما أمري، ولم أحب أن يعلم بمكاني أحد من الناس.
فقال علي: أمّا هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأمّا أنا فعلي بن أبي طالب. فوثب أويس فرحاً مستبشرأ فعانقهما وسلم عليهما ورحب بهما.
وقال: جزاكما الله عن هذه الأمة خيراً.
فقالا: وأنت جزاك الله عن نفسك خيراً.
ثم قال أويس: ومثلي يستغفر لأمثالكما؟
فقالا: نعم، إنّا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصّنا رحمك الله منك بدعوة حتى نؤمن على دعائك..
ثم قال الشيخ: هل ترغبون يا أبنائي بأن تسمعا دعاء أويس لعلي وعمر..
فصاح الجميع: بالتأكيد يا جدنا.. اخبرنا بما دعا لهما.
قال الشيخ:
بعد أن استمع أويس إلى ماقاله علي وعمر رفع رأسه، قال قولاً قليل الكمات ولكن عمر وعلي كان يتمنيان أن يسمعاه من أويس وهذا الدعاء هو:

(اللهم إنّ هذين يذكران أنّهما أنما يحباني فيك، فاغفر لهما وأدخلهما في شفاعة نبيهما محمد صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال عمر مكانك - رحمك الله - (أي انتظر) حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي، وفضل كسوة من ثيابي، فإني أراك رث الحال، وهذا مكان الميعاد بيني وبينك غداً.
وهنا توقف فالشيخ وقال: ما رأيكم يا أبنائي.. ما هو الجواب الذي رد به أويس؟
فقال عبد العزيز: والله لا ندري يا شيخ.. قل لنا.. فقد بلغ فينا الشوق مبلغه..
قال الشيخ: لقد كان رد أويس رداً عجيباً.. فلو حدث ذلك مع شخص آخر لفرح وجلس ينتظر المكافأة.. ولكنه قال:
يا أمير المؤمنين، لا ميعاد بيني وبينك، ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفني. ما أصنع بالنفقة؟ وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى عليَّ إزاراً من صوف ورداءً من صوف؟ متى أراني أخلِفهما؟ أمَا ترى نعليَّ مخصوفتين، متى تُراني أبليهما؟ ومعي أربعة دراهم أخذت من رعايتي متى تُراني آكلها؟
وتابع قائلاَ: يا أمير المؤمنين.. إنّ بين يدي عقبة لا يقطعها إلا كلّ مخف مهزول، فأخف- يرحمك الله - يا أبا حفص، إنّ الدنيا غرارة غدارة، زائلة فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مد عنقه إلى غد، ومن مد عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، ومن أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غداً من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الثمار.
فلما سمع عمر كلامه ضرب بدرته الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقر لم تعالج حملها..
فقال أويس: يا أمير المؤمنين! خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ها هنا. ويقصد أن كل واحد يذهب في طريق مختلف كي لا يلتقيان مرة ثانية.
ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه، وعمر وعلي ينظران إليه حتى غاب فلم يروه، وتوجه عمر وعلي رضي الله عنهما نحو مكة.
وهنا علق الشيخ قائلاً: إن حديث فضل أويس القرني، وأنّه لو أقسم على الله لأبرّه، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمررضي الله عنه: ( إن استطعت أن يستغفر لك فافعل) حديث ثابت وصحيح.
قال علي: ما أروع ما رويت لنا يا شيخنا... وهذه القصة دليل أيضاً على أنّ عمراً كان صاحباً لعلي ولو لم يكونا كذلك لم يصحبه عمر معه للبحث عن أويس ليكسب معه الدعاء له..
فقال الشيخ: صحيح يا ولدي ما تقول..


7 – ذكاء علي رضي الله عنه
د.طارق البكري

قال عبيدة: أخبرنا يا شيخنا عن قصة أخرى تشير إلى ذكاء علي رضي الله عنه وحرص عمر على الاستفادة من هذا الذكاء.. فقد سمعت أبي يقول يوماً إن عمراً كان يقول عن علي: (إنّه يصيب ويحسن).. فما قصة هذا القول؟
فقال الشيخ: نعم يا عمر.. سأحكي لك قصة هذه العبارة.. فقد روي عن سيدنا عمر أنّه لقي حُذيفة بن اليمان فقال له: كيف أصبحت يا حذيفة؟
فقال حذيفة أصبحتُ أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوءٍ، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر غضباً شديداً..
وفي هذه اللحظة دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، على وجهك أثر الغضب!
فأخبره عمر بما كان له مع حذيفة.
فقال له: صدق يا عمر؛ يحب الفتنة يعني المال والبنين، لأنّ الله تعالى قال: {إنّما أموالكم وأولادكم فتنة}، ويكره الحق يعني (الموت)، ويصلي بغير وضوء يعني أنّه يصلي على النبي بغير وضوء في كل وقت. وله في الأرض ما ليس لله في السماء أي له زوجة وولد وليس لله زوجة وولد.
فقال عمر وقد أعجبه تفسير علي لما قال حُذيفة: أصبتَ وأحسنتَ يا أبا الحسن، لقد أزلتَ ما في قلبي على حُذيفة بن اليمان.
دهش الأصدقاء الصغار بعدما استمعوا إلى هذه القصة الرائعة.. وكان الشيخ قد تعب من المشي.. وطلب منهم أن يعودوا معاً إلى حيث كان يجلس.. لأن موعد صلاة العصر قد اقتربت، وقد تعب من السير..


8 – حب وود
د.طارق البكري

وفي طريق عودتهم إلى المسجد.. قال عبيدة للشيخ الوقور:
نسمع يا شيخنا عن خلاف كان بين علي وعمر رضي الله عنهما.. فما صحة هذا الخلاف؟
فتنهد الشيخ تنهيدة المتألم الموجوع وقال:
يا بني.. عن أي خلاف تتحدث.. وأنت تسمع وترى كل ما رويته لك من أحداث تؤكد ما كان بين الرجلين من حب وود.. أمّا الخلافات فهي تحدث بين الناس جميعاً.. قد يختلف المحبون بالرأي لكنهم لا يتعاركون ويتخاصمون ويحارب بعضهم بعضاً..
كان عمر من شدة حبه لعلي وثقته به يقول عنه: (ما من معضلة ليس لها أبو الحسن).
ثم قال الشيخ: وانظروا يا أبنائي وتأمّلوا في رواية مسلم عن ابن عباس يقول فيها إنّه وبعد أن وضع عمر بن الخطاب على سريره بعد طعنه جاء الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وابن عباس فيهم.
ثم قال ابن عباس: فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم علي عمر وقال:
(ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك إني كنت أكثر أسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو ولأظن أن يجعلك الله معهما..
فقال محمد وقد دمعت عيناه: يا لهذه الواقعة يا شيخنا.. زدنا من بعض ما عندك أكثر فأكثر..
فقال الشيخ: يروي البخاري على لسان الإمام علي رضي الله عنه جواباً على سؤال ولده محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
فقال: أبو بكر.
قلت ثم من؟
قال: ثم عمر.
وخشيت أن يقول عثمان فقلت ثم أنت؟
فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين..
وعلق الشيخ قائلا: لاحظوا يا أبنائي أن هاتين الروايتين الأخيرتين تثبتان رضا الإمام علي عن عمر ومودته له واعترافه بأفضليته عليه، وتظهران مدى تواضع علي ومكانة عمر في نفسه رضي الله عنهما.. مما ينفي وجود أي خلاف أو عداء بين هذهين الرجلين العظيمين..

وفي هذا اللحظة.. صدح صوت المؤذن في السماء ينطلق معلناً دخول وقت صلاة العصر..
فتوقف الرجل عن الكلام.. ثم قال: هيا يا أبنائي إلى المسجد.. نجدد وضوءنا ونستعد للصلاة..
فقال عمر: نرجو الله يا شيخنا أنْ نلتقي في يوم آخر لتحدثنا عن سيرة هذين الرجلين العظيمين.. والعلاقة الطيبة بينهما.. ففي كل ما حدثنتا عبر ودروس لا تنسى..
فصاح الأطفال جميعاً باستعطاف: نعم يا شيخنا.. نعم.
فقال الشيخ: سامحوني يا أبنائي.. فأنا رجل عجوز.. ولكني سأحاول كلما شعرت بقوة.. مثلما شعرت اليوم..
ثم قال: هيا بنا الآن.. وعسى أن يمنحنا الله القوة والعافية دائماً..
فصار الأصدقاء الصغار يدعون له.. ويرجون له الصحة الدائمة..
ثم دخلوا معاً إلى المسجد لأداء الصلاة..


قصص (عندما...)


1 - عندما دخلت الروضة

2 - عندما حصلت على أول سيارة

3 - عندما ضاعت مني حقيبتي

4 – عندما رفعت علم بلادي

5 - عندما سافر أبي..

6 - عندما وضعت النعجة في (الجبّالة)

7 – عندما أدخلت البقرة إلى البيت

8 - عِنْدَمَا مَاتَ أخِي



1 - عندما دخلت الروضة
د.طارق البكري

عندما دخلت الروضة لأول مرة.. وكان ذلك منذ سنوات.. كان الأمر بالنسبة لي يشبه الكارثة..
وأذكر أنّ أبي وأمي أخذاني معاً الى الروضة.. وكنت أرتدي ثوباً أصفر، بأزرار زرقاء داكنة.. وياقة بزنار أبيض يحيط بأطرافها.. لا أنكر أني كنت سعيداً بثوب الجديد.. ولكني ما أن وصلت إلى المدرسة.. وعرفت أني سأنفصل عن أسرتي حتى بدأت البكاء.. وبعد أن كنت متحمساً فقدت كل حماسي في اللحظة التي سلمتني أمي إلى المدرِّسة التي كانت طيبة القلب.. لكنها لم تستطع أن تمنع دموعي من الانهمار مثل المطر..
وفي اليوم التالي.. أعلنت وبكل صراحة أنني لا أحب الروضة.. ولا أريدها.. وبدلت كل آرائي نحوها.. لا أحبها... لكن كل اعتراضاتي تحطمت أمام إصرار أمي وأبي على ذهابي إلى الروضة..
أحسست أنني مظلوم.. كيف ترميني أمي هذه الرمية القاسية.. من قال لها إني أريد أن أتعلم؟ أنا أريد البقاء في البيت..
وعندها بدأت ألاحظ أن مشاعري هذه يشترك معي فيها كل الأطفال في روضتي.. فعلمت أنني لست وحدي في إحساسي.. وبدأت أتعاطف مع غيري.. وبدأ غيري يتعاطف معي.. لأننا جميعاً نشعر بالمشاعر المؤلمة نفسها..
وكان هذا الإحساس الجماعي أول مرة أشعر به في حياتي.. وكان شعوراً جميلاً.. صرت أنتظره في كل مناسبة.. وحتى عندما أذهب إلى السينما.. وأرى الجميع فرحين مثلي.. أو عندما يمر مشهد فيه رعب وخوف وترقب.. ودهشة.. أشعر بأن كل من حولي مثلي..
وصرت عندما أدخل مكاناً جديداً فيه ورود ورياحين وجمال.. أشعر بالهدوء والسكينة.. وأرى ذلك على وجوه كل من حولي..
هذه لحظات لا تنسى.. وخاصة عندما نراها تمر مع غيرنا...


2 - عندما حصلت على أول سيارة
د.طارق البكري

عندما أنهيت مرحلة الروضة استعداداً للانتقال في العام التالي إلى المرحلة الابتدائية.. فاجأتني المعلمة في آخر أيام المدرسة بهدية جميلة.. عبارة سيارة حمراء كبيرة.. لها أبواب أربعة، تفتح كأنها سيارة حقيقية.. كما أنّ الغطاء الأمامي والخلفي يفتحان هما أيضاً.. كنت سعيداً بها.. وأنتظرت لحظة خروجي من الروضة لكي أقدمها لأمي وأبي وأخوتي باعتبارها هدية شرفية أخذتها من معلمتي في الروضة..
ومرت ساعات كأنها سنين طويلة.. شعرت بملل عظيم.. أريد الخروج..
صرت أدعو الله أن يمضي الوقت بسرعة من شدة اهتمامي بأن تشاهد أسرتي هذه الهدية غير المألوفة بالنسبة لي..
ومضى الوقت ببطء شديد.. وانتهى اليوم الأخير من الروضة.. وحملت لعبتي الجديدة أترقب وصول أسرتي لأنّ أبي وأمي وعداني أن يأتيا ليأخذاني من المدرسة في اليوم الأخير.. باعتباري أصغر الأبناء..
وركضت نحو أمي وأبي ألوح بالسيارة الحمراء وكأني فارس عاد منتصراً من حرب طاحنة.. يرفع سيف الانتصار..
وعندما وصلت إليهما واحتضنتني أمي.. قلت لها على عجل.. أمي أمي.. أنظرا هدية معلمتي..
وكانت الابتسامة الواسعة تغمر وجه أمي ذات الوجه الأبيض المائل إلى الحمرة.. وقبل أن تجيبني صاحت أختي التي تكبرني بسنوات قليلة وكانت برفقتهما: نعرف هذا.. فنحن من أعطى السيارة للمدرسة..
في هذه اللحظة.. كرهت السيارة.. لم أعد أريدها.. وددت أن أحطمها..
حاولت أمي أن تسكت أختي.. ولكن الأمر كان قد انتهى.. ولم تنفع بعدها كل محاولات تطييب الخاطر..
وصرت أعامل السيارة كعدوة لي..
صرت على صغر حجمها.. أركب فوقها.. وأرفع قدمي الصغيرتين.. وأتمسك بالجدران ثم أدفع نفسي بكل قوة، فتسير السيارة وأنا فوقها رغم أني بالنسبة لها حمولة فوق الزائدة.. فهي سيارة للعب لا للركوب..
وعندما تحطمت من سوء الاستعمال.. لم أكن حزيناً.. لأنني تمنيت لو أعطتني معلمتي سيارة لعبة ورقية وحتى لو كانت من دون إطارات.. ولو فعلت ذلك لاحتفظت بها طوال حياتي..


3 - عندما ضاعت مني حقيبتي

في أحد الأيام... وكنت في الصف الثاني ابتدائي.. وفي طريق عودتي إلى البيت من المدرسة... توقفت لاكمال الحديث مع بعض الرفاق قبل أن نفترق... كل واحد إلى طريقه..
ولا أذكر ما هو بالتحديد الحديث الذي استدعى وقوفنا على ناصية الطريق مدة من الزمن.. ولكنّه بالتأكيد كان عن لعب الصغار وتساليهم، وليس شأناً له علاقة بالدرس والدراسة.. ثم مضى كل واحد منّا في طريقه..
وقبيل وصولي إلى البيت.. شعرت أني فقدت شيئاً كنت أحمله لم انتبه إلى ذلك من قبل.. فبسطت يدي.. بحركة عفوية.. ثم عدت راكضاً أبحث عن حقيبتي الضائعة..
وتوقفت في المكان الذي كنت أقف فيه مع رفاقي..
نظرت غلى الحائط الذي انسدت عليه حقيبتي.. لكني لم أجدها... فقد كان أحدهم قد أخذها.. فعدت إلى البيت باكياً..
استغربت أمي بكائي.. وسألتني عن السبب؟ وبعد أن أخبرتها.. ارتدت ثياب الخروج ثم خرجت معي تريد المدرسة..
حاولتُ أن أشرح لها أنّي لم أنس الحقيبة في المدرسة.. لكنّها اعتقدت أنني نسيتها في الفصل وأرادت أن تتأكد من ذلك بنفسها..
عدت إلى المدرسة مع أمي ولم يكن أحد هناك غير الفراشين..
طلبت أمي من إحدى الفراشات أن تذهب معها إلى فصلي لتبحث عن الحقيبة..
كنت متأكداً أنها ليست في الفصل.. ولكن أمي لم ظنت أني لا أعرف المكان الذي نسيتها فيه..
وبعدما سألتني عن المقعد الذي كنا أجلس فيه.. بحثت ولم تجدها.. ثم قررت العودة إلى البيت على أمل أن نجدها على الطريق..
وفي أثناء عودتنا...
وفي الجهة المقابلة لمكان وقوفنا.. كان هناك بقالة على الشارع المقابل لصحابها العم نعيم.. وكانت الحقيبة موضوعه على كيس أرز أو كيس حمص... لم أعد أذكر تماماً.. لكني أذكر أنّ الكيس كان كبير الحجم.. ولونه بني.. وكانت حقيبتي موضوعة أعلى الكيس.. في مكان بارز.. فتركت يد أمي وقطعت الشارع مسرعاً فرحاً بعثوري أخيراً على حقيبتي..
وفي هذه اللحظة..
كانت سيارة مسرعة تسير في الطريق..
أطلق سائقها سيلاً من الشتائم وهو يضع يده على (الزمور) ويدوس بقدمه على مكابح السيارة التي كان زعيقها يملأ المكان..
لكني وصلت بسلامة إلى الحقيبة وأمسكتها بكلتا يدي وشددتها إلى صدري..
فأسرعت أمي وضمتني إليها بحنان بعدما أصابها رعب شديد..
التفتُ فرأيت الناس قد تجمعوا حولي للاطمنان عليّ.. لكنّي كنت مشغولاً بحقيبتي.. ولم اهتم بزعيق المكابح ولا ببوق السيارة.. ولا بكل الناس من حولي..
أخيراً... عادت لي حقيبتي..


4 – عندما رفعت علم بلادي

كنت أرى الكشافة في مدرستي يرفعون علم بلادي، وهم يعزفون على آلات موسيقية وينشدون النشيد الوطني، ويلقون التحية على العلم.. صباح كل يوم.
أعجبني كثيراً هذا المشهد.. فقلت لأبي إنّي أريد دخول الكشافة..
كنتُ صغيراً في الصف الأول الابتدائي..
رحّب أبي كثيراً برغبتي هذه.. وشجعني..
فسألت زملائي الطلاب الذين يرفعون العلم كل يوم عن طريقة اشتراكي في فرقة الكشافة.. فشجعوني هم أيضاً.. وطلبوا مني أن أحضر يوم العطلة الأسبوعية وهو يوم النشاط الرسمي للكشافة..
ومنذ ذلك اليوم بدأت أهتم كثيراً بهذا النشاط، وكنت أريد المشاركة في رفع العلم... لكن قائد الفرقة طلب مني التمهل بعض الوقت.. لأنّ من يرفع العلم عليه أن يمضي وقتاً في التدرب.. والأفضلية للأكبر سناً والأقدم في الكشافة..
ولكني كنتُ حريصاً على أن أراقبهم ماذا يفعلون بدقة..
وخاصة عند رفع العلم وأداء التحية..
وكان ذلك استعراضاً متكاملاً يشبه طريقة الجيش في رفع العلم..
وكنت حريصاً على ارتداء الزي الكشفي بشكل شبه يومي دون أن يطلب مني ذلك.. لأنّ الذين يرتدون هذا الزي يومياً هم من يطلب منهم رفع العلم فقط...
وفي أحد الأيام.. وكنت مرتدياً الزي الكشفي، وعندما حان وقت رفع العلم..
اكشف قائد الفرقة غياب أحد الطلاب، وكان مقرراً له أن يرفع العلم في ذلك اليوم..
فشاهدني قائد الفرقة مرتدياً زيّ الكشافة..
فسألني إن كنتُ واثقاً من معرفتي التامة لكيفية رفع العلم؟؟
وفي هذه اللحظة شعرت أنَّ الدنيا لا تسعني..
شعرتُ أنه يريد من خلال هذا السؤال أن أقوم بذلك لسبب طارئ..
فأكدت له أني اتقن هذا الأمر تماماً..
فقال: سنجربك اليوم.. هذه هي فرصتك قد حانت.. لو نجحت ستشارك الفرقة برفع العلم من حين إلى آخر.. ثم حذرني من الخطأ.. فناظر المدرسة لا يحب الخطأ في رفع العلم.. ولو علم قائد الكشافة سيمنعك من رفع العلم مرة ثانية.
قلت: له لا تقلق.. وسوف ترى ماذا سأفعل.
وكنتُ قد حفظت تماماً كامل الخطوات التي يؤديها الكشافة وهم يسيرون جنباً إلى جنب وفي خطوات ثابتة موحدة.. وكنت متأكداً من أنني من المستحيل أن أخطأ لأني تدربت على ذلك مراراً في البيت..
وكانت تجربة رائعة لا يمكن أن أنساها..
وقد هنأني قائد الفرقة على خطواتي الواثقة الصحيحة..
ومنذ ذلك اليوم رفعت العلم عشرات المرات أمام الناظر المدرسين والطلاب.. وفي احتفالات عدة داخل المدرسة..
ولكني لم أكن أريد أن أحظى لوحدي فقط بهذا الشرف.. بل كنتُ أتيح الفرصة لكلِّ من يحب أن يرفع العلم، وأساعده وأدربه ليقوم بذلك.. لأحقق حلمه برفع العلم، كما تحقق حلمي في أحد الأيام...


5 - عندما سافر أبي..
د.طارق البكري

كنت صغيراً .. ولا أذكر كم كان عمري.. عندما سافر أبي مع عمي إلى (مصر) في رحلة لمدة ثلاثة أسابيع.. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أذكر سفر أبي فيها.. وقد أعطاني أبي خمس ليرات قطعة واحدة.. وكانت هذه الليرات الخمس - بالنسبة لي ثروة - حيث كان مصروفي اليومي لا يصل الى ربع ليرة..
وكانت هذه أكبر ورقة نقدية أحصل عليها..
وعندما أخذت الورقة النقدية، وكانت جديدة و(تطقطق).. أعطيتها لأمي وقلت لها:
أمي لو سمحت.. احتفظي لي بهذا المبلغ الكبير، لأني أخشى أن اصرفه أو يضيع مني.. وأريد منك أن تعطيني صباح كل يوم خميس (ليرة ونصف الليرة) لأشتري مجلتي المفضلة.
وكان اسمها مجلة (بساط الريح).. مجلة مصورة للأطفال..
ولحسن حظي أني فعلت ذلك..
فقد طال سفر أبي أكثر من أربعة أسابيع..
وظلّت أمي تعطيني كل صباح خميس (ليرة ونصف الليرة) لأشتري بها المجلة.. مع العلم أنني كنت أسحب منها نحو ربع ليرة وبشكل شبه يومي لحجج متعددة..
بالرغم من أني كنتُ أجمع سابقاً نصف سعر المجلة من مصرفي اليومي، والنصف المتبقي آخذه من أمي..
وما زلت أذكر تلك الليرات الخمس التي (تطقطق).. ومجلة (بساط الريح) وقصصها المصورة الجميلة..
وعندما عاد أبي من السفر.. أعطاني خمس ليرات أخرى.. لكنّها لم تكن (تطقطق) مثل الأولى.. وعندما أخذتها.. أعطيتها لأمي قائلاً: خذي منها المبلغ الإضافي الذي سحبته منك.. فضحكت أمي وقالت: احتفظ بهذه الليرات..
فأخذتها.. ولا أذكر ماذا فعلت بها.. لكنني بالتأكيد لم أشتر مجلات للأطفال..


6 - عندما وضعت النعجة في (الجبّالة)
د.طارق البكري

في يوم أخذتني أمي لزيارة قريبة لنا في منطقة جبلية بعيدة..
وكان لقريبتنا هذه ابن أكبر مني ببضع سنوات.. وكان هذا الابن لطيفا جداً، وكان ينادي أمي بـ(يا خالتي)..
أراد هذا الصبي أن يلاعبني ويسليني.. فأخذني للعب خلف البيت..
وكان خلف البيت بستان واسع ممتد.. مزروع بالأشجار المثمرة..
وكان هناك ورشة بناء إلى جانب البستان..
رأيت (جبّالة) صغيرة يُخلط في داخلها التراب والبحص والماء.. يستخدم العمال الخليط في رصّ الأحجار فوق بعضها.. ولكنهم كما يبدو كانوا في راحة الظهيرة..
وكان بالقرب منا نعاج صغيرة ترعى العشب الأخضر..
فحملت أنا والصبي نعجة صغيرة ووضعناها داخل الجبالة..
وأطلقنا أرجلنا للريح.. ومن بعيد سمعنا صوت العمال ينادون بعضهم بعضاً ويصرخون لإنقاذ النعجة المسكينة من المحنة التي وضعناها فيها..
وعدنا إلى البيت وجلسنا وكأن شيئاً لم يكن..


7 – عندما أدخلت البقرة إلى البيت
د.طارق البكري

كانت جدتي تملك بيتاً ورثته عن أبيها.. وهو بيت قديم من الطين..
كان لدى جدتي (محدلة) ضخمة لتسوية سطح البيت.. ومجرفة تجرف الثلج..
لكننا لم نكن نذهب أيام الشتاء إلى ذلك البيت القديم.. ونستغل العطلة الصيفية حيث تحرص جدتي على قضاء معظم أيام الصيف في هذا المكان..
وفي أحد الأيام.. ذهبت أنا وأمي وأخي الذي يكبرني بسنتين وأختاي الأكبر سناً..
وكنتُ شقياً.. إلى درجة تزعج جدتي فتقول لأمي: أحضري معك كل أولادك ولا تحضري هذا الصغير..
وكانت أمي تفهم الأمر بالعكس تماماً فأكون أول الحاضرين دائماً..
وفي ذلك اليوم..
ما أن وصلت إلى القرية البعيدة عن العاصمة..
خرجت على الفور الى ساحة القرية التي تقابل البيت مباشرة.. والبيت يقع وسط البلدة القديمة.. وبعد فترة قصيرة مرت بقرة بالقرب مني لسوء حظها.. كانت تمشي لوحدها متجهة نحو عين الماء لتشرب..
وكان هذا الأمر كثيراً ما يدهشني.. حيث تذهب الأبقار للشرب دون أن يقودها أحد.. وتعود إلى زرائبها بأمان وسلام.. دون أن تضل الطريق أو يسرقها أحد..
رأيت هذه البقرة العظيمة في حجمها وضخامتها.. ولست أدري ما دعاني لترصدها وانتظارها إلى حين عودتها من العين بعد شرب الماء..
وعندما عادت وقفت أمام البقرة أوجهها لتسلك طريقاً غير طريقها..
وكان الطريق إلى داخل بيت جدتي..
وكان البيت مفصولاً عن الساحة بمساحة طويلة تمتد لعشرة أمتار تقريباً.. تابعة للبيت، مسوّرة ولها مدخل خاص..
فوقفت أمام البقرة ولوّحت لها بيدي الاثنتين.. فدخلت البقرة مطيعة دون أن تعترض إلى باحة بيت الجدة العجوز..
وكان الجميع داخل البيت ..
فصارت أختي الكبرى تصرخ من هول المفاجأة.. ورمت بنعالها نحو البقرة حتى تمنعها من دخول البيت..
البقرة المسكينة أخافها الصراخ أو النعال – لست أدري – فلم تتجه نحو البيت والتفتت نحوي..
عندها خفت من نظراتها.. وابتعدت عن طريقها.. فسارت بهدوء إلى خارج المنزل.. تتحرك بتناسق عجيب.. وطمأنينة وكأن شيئاً لم يحدث..
وعادت من حيث قطعت عليها الطريق..


8 - عِنْدَمَا مَاتَ أخِي
د.طارق البكري

كنتُ لا أعرفُ معنى الموت.. أسمع عنه من دون أنْ أراه..
فَجْأة.. ودون مقدمات، ماتَ أخي الأكبر مني بثلاث سَنَوات..
في ظهيرة ذلك اليوم، وبعد عودتنا المدرسة.. كنتُ على موعد غداء أخير مع أخي.. الذي كان يتمتع بسُمْرة تزيده وَسَامة وَهَيبة..
كانَ بيني وَبينَه مَا بين الإشقاء الصِّغار من مشاكسات ومُناكفات..
في ذلك اليوم.. قرّر أنْ يدخلَ المُطبخ.. ودون أنْ يطلب من أمِّي أيَّة مساعدة..
أخذَ عدَّة حبَّات بطاطا.. قشَّرها.. غسلها.. ثمَّ وضعها في المقلى..
وببراءة الأطفال جلستُ أنتظر البطاطا المقليِّة..
وعندما وضعها أخي - رحمه الله - على الطاولة ليأكّل.. أكلتُ معه.. فلم يعترض.. ولم يسجِّل أيَّة مُلاحظة.. ولا حتى من خلال ملامح وجهه.. فوجئت بذلك.. فأنا أقتحم أشياءه من دون استئذان.. كان صامتاً.. لم يعترض على هجومي على الطبق.. ما أثار فرحي.. وتماديتُ في مشاركته الطبق..
لم يتكلِّم..
فالتهمتُ معظم البطاطا المقليّة بكل شهيّة..
وبهدوء جم.. وبحركات متأنيّة.. قام أخي.. حمل الطبق.. ووضعه في المغسلة.. ثم غسل يديه وفمه.. وذهب إلى غرفته..
في ذلك اليوم.. لم يفتح أخي التلفزيون كعادته.. فقد كان يطيل السهر.. درس قليلاً.. ثم ذهب إلى السرير ونام، وكان ذلك في وقت مبكر، وعادته التأخر على التلفزيون..
سمعتُ أبي يقولُ لأمِّي..
ما به خالد؟
أذهبي واسأليه لماذا نام باكراً؟؟
توجهت أمي نحو غرفة أخي.. وكنت قلقة أمثر من
عادت تقول:لا شيء هناك.. فهو يشعر بالنعاس..
ثم قالتْ والقلق في عينيها: له لا تقلق.. وصوتها يوحي بعكس ما تقول..
فلم يقتنع أبي بهذا الكلام..
الوقت مازال مبكراً.. والشمس بالكاد غربت منذ قليل.
وفي صباح اليوم التالي.. نهضتُ كعادتي متكاسلاً أجرُّ حقيبتي جرّاً.. وسرتُ نحو المدرسة وقد نسيتُ كلّ قصة الأمس..
ومَضَّى النَّهار في اللعبِ والمرح.. والدِّراسة..
وعندما عدتُ في الظهيرة.. وجدتُ الطبيب عندنا..
"ضربة شمس".. قال الطبيبُ ذلك بكلِّ ثقة.. ووضع له كيس (مصل).. ثم ذهب مطئناً راضياً..
بعد وقت يسير.. جاء عدد من أصدقاء أخي في المدرسة يسألون عن سبب غيابه عن المدرسة..
وكان أخي قد غاب عن الوعي تماماً..
فوجئ أصدقاؤه..
قالوا: لقد وقع خالد بالأمس على رأسه.. ونحن نلعب.. ألم يقل لكم؟؟
كانت صدمة للجميع..
لماذا لم يخبرنا؟؟ لماذا لم يقل ذلك؟؟ مم كان يخاف.. وما الذي أخافه؟!
وتحول بيتنا إلى حركة غير طبيعية.. لم أكن أعرف ما يجري تماماً... أسرعوا به إلى المستشفى..
وكانت الصدمة الثانية..
الأمرُ غريبٌ.. الدماء تَملأ الرأس.. لماذ تأخرتم؟؟
كان النزيفُ قد أتلف الرأس كله..
بذلَ الأطباء وسعهم...
لكنَّ أخي رحَل بصمتُ..
رقدَ أخي في المستشفى أسبوعاً كاملاً يعيش على الآلة.. حتى نبضَ القلب مرة أخيرة.. وودع أمي وأبي اللذين لم يتركاه لحظة واحدة بعينين دامعتين ورحل..
قال أبي: فتح عينيه قبل لحظات من موته.. فرحتُ.. وكانتْ فرحةً لم تدُم فترةً طويلةً..
وعادَ أخي إلى البيت محمولاً..
وضعوه على فراشِه للمرَّة الأخيرة.. لنودِّعه..
كان سمرته أشدَّ وسامة من ذي قبل..
تذكرتُ طبق البطاطا..
الآن عرفتُ لماذا لم يعترض على اقتحامي لهذا الطبق واستيلائي على معظمه..
لمتُ نفسي..
وبكيت..
عرفتُ الموتَ.. ورأيته..
وانتقلنا إلى المقبرة.. حيث كان الوداع الأخير.. وكانت هذه هي المرة الأولى أيضاً التي أعرف فيها المقبرة..
شاهدتُ الدموع الحقيقية..
شاهدتُ أبي يبكي للمرة الأولى.. وأمي تصرخ من أعماق قلبها..
ودّعته.. قبل أن يغلقوا عليه القبر..
خفت أن أقبله..
أخي الكبير.. صاح وقد وضعوه في قبره.. أن تمهلوا.. دعوني أرى وجهه للمرة الأخيرة..
فرميت بنفسي على مقربة منه.. وألقيت معه آخر نظرة عليه..
كانت سمرته تزداد سمرة ووسامة..
ذهب طفلاً..
سمعت أمي تقول: إن الأطفال لا يعذبون.. وهم مثل العصافير في الجنَّة.. يفرحون ولا يحزنون..
فرحْتُ لأخي بجَنَّته.. لكنَّ أمِّي كانتْ على الدَّوام حزينة..
وكانت أوّل مرَّة أعرف فيها الموت.. وجهاً لوجه..
وظل أبي يتساءل دون جواب: ترى لماذا يخبرنا عن وقعته ذلك اليوم؟؟ لماذا؟!! ..


يتبع
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-12-2008, 05:10 AM
الصورة الرمزية DeLta
DeLta DeLta غير متواجد حالياً
المدير العام
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: الـجـمـهـوريـّة اللـبـنـانـيـّة
المشاركات: 20,323
CD Album

مغامرات جحا

1 - وزّة جحا

2 - حجا الطبيب

3 - حجا والقاضي

4 - جحا والخاتم

5 - جحا والسائل

6 - جحا والحمار

7 - جحا واللص

8 – جحا وحمار الوالي

9 - مسمار جحا؟

10 - جحا والقاضي الظالم



1 - وزّة جحا
د.طارق البكري

كان جحا يملك مزرعة صغيرة وفيها أنواع من الدواجن.. بط وأوز ودجاج.. وطيور..
وفي يوم كان حاكم المدينة يمر قرب المزرعة فاقترب منها وسلّم على جحا.. ثم جلس يمدح جحا ومزرعته ووزّه.. ودواجنه.. وكان جحا يحاول الانتقال بالحديث إلى أمر آخر..
لكن الحاكم وبعد كل محاولة من جحا يعود إلى موضوع الإوز، ويقول إن الإوز طعمه طيب ولذيذ.. وخاصة الإوز الذي يربى على العشب الطري الأخضر.. وحماه رجل طيب يسقيه ويطعمه بانتظام.. وطالت جلسة الحاكم.. واقتنع جحا أنْ لا مفر من إن يهدي الحاكم وزة من إوزه.. لكنه أراد الاحتيال عليه.. فقال له: لو صبرت علينا قليلاً.. فهناك وزّة طيبة أرعاها وأسقيها بيدي.. ولكنها ما زالت صغيرة.. أرجو أن تنتظر أياماً لتكبر وسوف أجهزها لك بنفسي.. وأحشوها بالأرز واللوز.. وأشويها على نار هادئة.. وأحضرها لك ساخنة ملتهبة.. بجلد استوى على نار الحطب الذي سأحضره خصيصاً يكون ناره بغير دخان..
فرح الحاكم بكلام جحا.. وذهب واعداً نفسه بوزة شهية..
وجلس الحاكم ينتظر أياماً.. وجحا يظن أنّ الحاكم نسي..
لكن الحاكم وبعد أن طال انتظاره أمر وزيره أن يذهب إلى جحا ويخبره بأنّ موعده طال كثيراً.. فقال جحا للوزير لما جاءه: ما بال حاكمنا قليل الصبر.. ما زالت الوزة صغيرة.. تحتاج لبعض الوقت.. لتكبر.. أم إنّ الحاكم يريد أن أطبخ له وزة لا تليق بمقامه..
وعندما عاد الوزير إلى الحاكم.. قال الحاكم: إنّ جحا يكذب علينا.. اذهب إليه وقل له إنّ الحاكم غاضب منك.. وعليك تنفيذ وعدك بأسرع وقت ممكن..
خاف جحا عندما سمع هذا الكلام من الوزير.. ورضخ للأمر الواقع.. وقال للوزير: لو صبر حاكمنا يوماً واحداً لنال مراده دون أن يغضب.. فإني بعدما أتيتني في الصباح. ذهبت إلى مزرعتي وعاينت الوزة فوجدتها قد أصبحت جاهزة لتستوي على مائدة حاكمنا العادل....
فذهب الوزير من فوره وأخبر الحاكم بأن الموعد غداً.. فسرّ الحاكم كثيراً.. وطلب إعداد السلطات والخضروات والجلسة التي تناسب الوليمة..
وطلب جحا من زوجته أن تجهز وزة ضعيفة.. كبيرة في السن.. وأنْ تحسن طهيها وتحميرها، لعل الحاكم يمنحه منحة تعوضه عن خسارته لهذه الوزة...
وبعد أن أنتهت زوجتة من إعداد الوزة، حملها إلى قصر الحاكم، وفي طريقه جاع واشتهى اللحم المشوي الذي بين يديه.. فأكل أحد فخذي الوزة.. وعندما وصل قصر الحاكم قدمها إليه.
فنظر الحاكم إلى الوزة بغضب وقال بصوت عالٍ: ما هذا يا جحا؟! أين رجل الوزة؟!
فقال له: يا حاكمنا الطيب.. إن الإوز في ناحيتنا كله برجل واحدة، وإنْ لم تصدقني فتعال وانظر من نافذة قصرك إلى الإوز الذي على شاطئ البحيرة.
فنظر فإذا بسرب من الإوز قائم على رجل واحدة كعادة الإوز في وقت الراحة.
فغضب الحاكم من خداع جحا.. فأمر بسجنه.. فقال له جحا.. لا تملك دليلاً وأنا أملك الدليل.. أما رأيت الإوز من نافذة قصرك برجل واحدة..
عندها أمر الحاكم أحد الجنود بالذهاب إلى سرب الإوز، وهو يحمل العصا، ففزع الإوز وجرى إلى الماء على رجليه.
فقال الحاكم: ما قولك الآن؟
فقال جحا وهو يرتجف من الخوف: يا مولاي.. لو هجم أحد علي بهذه العصا لجريت على أربع لا على اثنين فقط.. فما بالك بالإوز؟
فضحك الحاكم وأمر له بعطية.. لكنه عاقبه بأن يحضر له أوزة ثانية محشوة بالأرز ومشوية.. بشرط أن تكون كاملة، وأن يبقى معه أحد الجنود ليضمن أنّه لن يأكل جزءاً منها على الطريق..
فضحك من في المجلس.. وصارت وزّة جحا قصة مشهورة في كل المدينة..


2 - حجا الطبيب

جحا رجل طيب، ولا يتأخر عن مساعدة أصدقائه وأصحابه وأقاربه، وجيرانه.. وفي يوم قام بزيارة صديق له فوجد صديقه مريضاً يتألم من معدته، فأسرع جحا لإحضار الطبيب له.
وبعد قليل رجع جحا إلى منزل صديقه وبصحبته الطبيب..
وعندما دخل الطبيب إلى غرفة صديق جحا المريض، قال له افتح فمك.. فنظر قليلاً.. ثمّ نظر إلى الأرض.. وفكر قليلاً ثم قال: لقد أكلت كعكاً كثيراً مليئاًً بالسمن البلدي.. وهو ثقيل على معدتك.. فلا تفعل ذلك مرة أخرى.
ثم قال الطبيب لجحا: لا تقلق يا عزيزي.. الأمر بسيط، لكن عليه أن يخفف طعامه ليوم أو يومين.. ولا يملأ معدته بالطعام..
تفاجأ جحا من سرعة تشخيص الطبيب للمرض.. فشكك في تشخيصه وطلب منه أن يفحصه لأنه لم يفحصه جيداً.. لكن الطبيب قال لجحا وهو يضحك: لا تقلق يا جحا سوف تتحسن صحته خلال أيام.. ثم خرج الطبيب مسرعاً فأسرع جحا خلفه يسأله قائلاً:
لكن كيف عرفت ذلك بسرعة؟
قال الطبيب: المسألة بسيطة، عندما علمت أنّه يعاني آلاماً في معدته أخذت أبحث عن السبب، فنظرت في فمه فرأيت بقايا طعام يشبه بلون الكعك في فمه.. ثم نظرت إلى الأرض فرأيت كسرات الكعك متناثرة.. فتأكدت أنّه أسرف في تناول الكعك المليء بالدهن الثقيل على المعدة..
فقال جحا: رأي حكيم.. وطبيب نبيه..
فقال الطبيب: أحياناً يا جحا لا نضطر لفحص المريض لأنّ الواقع يكشف سبب ما أصابه من ألم.
فقال جحا في نفسه: ما هذا؟ الأمر بسيط فعلاً.. الإنسان يحتاج الى قليل من النباهة والذكاء فيكون طبيباً..
ثم شكر حجا الطبيب وتمنى له الخير..
ثم عاد جحا مسرعاً إلى حجرة صديقه المريض. ونظر إلى أرض الغرفة فوجد بالفعل كسرات الكعك منتشرة هنا وهنا،ثم سأل صديقه زيادة في التأكد: لابد أنك أكلت كعكاً كثيراً سبب في آلام معدتك.
فقال الصديق المريض: نعم، لقد أكلت كعكاً كثيراً، ولم أتوقع أن يسبب لي كل هذه الآلام.
وبعد أن جلس جحا فترة من الزمن مع صديقه يواسيه ويخفف عنه مرضه عاد إلى بيته وهو يعتقد في نفسه: أنّ مهنة الطب مهنة تعتمد على ذكاء الطبيب فقط، وها هو قد استفاد وتعلم درساً مهماً.
وبعد أيام قليلة.. وبينما كان جحا يركب حماره في الطريق متوجهاً إلى السوق التقى صديقاً قديماً لم يره منذ زمن.. فتلقاه جحا بسرور بالغ ونزل عن حماره يقبله ويسلم عليه بحراره.. فوجد حجا صديقه حزيناً مهموماً.. فسأله عن سبب كل هذا الحزن.. فقال له الصيق بصوت بائس: إنّ أبي مريض.. وأنا الآن في طريقي لإحضار الطبيب له.
فقال جحا بصوت مرتفع: ولم الطبيب وأنا موجود يا صديقي؟؟ ثم قال بحزم: هيا بنا إلى البيت.
فقال الصديق متعجباً: ماذا تعني يا جحا؟ ومنذ متى أصبحت طبيباً؟
فقال جحا : ألم تعرف أنني أعالج المرضى؟
قال الرجل: يا جحا أنا لا نريد فيلسوفاً بل طبيباً، فأبي يعاني من آلام المعدة.
فقال جحا: دعني أعالجه.. فهذا المرض بالذات أعلم عنه الكثير.
ودفع جحا صديقه.. وراح يجر حماره خلفه متجهين إلى بيت الرجل المريض.. وكان الصديق يحاول أن يمنعه ويرجوه أن يكف عن الدعابة. لكن جحا أصر قائلاً له: لا تقلق.. دواء أبيك عندي..
وعندما وصلا إلى البيت.. والصديق مستسلم لجحا.. دخل جحا بعد الاستئذان إلى غرفة أبيه فوجده مستلقيا على السرير يتلوى من الألم.. فقال له حجا: لا تخف يا عم أمرك بسيط... افتح فمك..
فنظر جحا في فم المريض قليلاً.. ثم تنهد.. ونظر على الأرض وتحت السرير.. وهو رأسه كما يهز رأسه العالم الخبير وهو يبين أنه يشعر بالتعجب والاستغراب..
ثم عاد جحا ونظر تحت السرير.. وكان الأب يضع أحذيته تحت سريره لأنه لا يستطيع الخروج من المنزل منذ مدة بسبب مرضه..
فمشى جحا نحو باب الغرفة، وقال لصديقه بصوت منخفض: لا تقلق يا صديقي فالأمر بسيط..
ولكنني مستغرب بعض الشيء.. منذ متى وأبوك على هذه العادة..
فقال له صديقه وهو يشعر بالخوف والاضطراب: قل يا جحا.. هل هنالك خطر على صحة أبي.. ما هي المشكلة؟؟ قل لي بسرعة!!
فقال جحا وهو ينظر إلى صديقه نظرة الحكيم الفهيم: أنا لست قلقاً على صحة أبيك.. ولكني لا أعرف ما هذه العادة السيئة.. على أي حال.. لاتخف إنّ حالته مطمئنة وسوف يتحسن خلال أيام..
ولكن..
فقال الصديق متلهفاً: ولكن ماذا؟... قل لي بسرعة! هل هنالك خطر على حياته؟
قال جحا: هدئ من روعك يا صديقي.. لا شيء خطير.. ولكن في الحقيقة.. لقد تعلمنا في الكتب، وقالت الحكماء إنّ عادة أكل الأحذية سيئة ومضرة بالصحة.. لذا أنصحك أن تبعد الأحذية من تحت سرير أبيك، حتى تتأكد بنفسك أنّه سيمتنع تماماً عن عادة أكل الأحذية.
فدهش الصديق ووقع على الأرض مغشياً عليه..


3 - حجا والقاضي
د.طارق البكري

في يوم من الأيام.. ذهب جحا كعادته إلى السوق ليقضي وقته في هوايته المحببة إلى نفسه، وهي التجول في السوق بحثاً عما فيه من سلع جديدة مختلفة.. فقد كانت هذه هي هوايته المفضلة.. فمن المعلوم أنّه لم يكن في عصره ما يسليه مثل التلفزيون والكمبيوتر والإذاعة ولا الصحف ولا المجلات ولا المقاهي والأندية الرياضية.. ولا حتى لعبة إلكترونية واحدة..
وكان الناس في السوق يضيقون صدراً بجحا ومن أسئلته الكثيرة على السلع.. ومع ذ لك لا يشتري..
وكان هنالك رجل أراد أن يلقن جحا درساً ويجعله أضحوكة السوق.. فتشارط مع بعض التجار أنّه يستطيع أن يضرب جحاً كفاً على وجهه دون أن يستطيع جحا ن يقاضيه.. وقد كان كل من في السوق مغتاظين من جحا لأنه يزعج الباعة والمشترين باستفساراته دون أن يشتري شيئاً منهم.. فاعجبتهم الفكرة..
فوقف الرجل ينتظر مرور جحا حتى اقترب من أحد الحوانيت يريد أن يعاين سلعة.. وأدار ظهره للطريق ووجهه نحو الحانوت..
وعندما أحنى رأسه قليلاً ليتناول السلعة من على الأرض جاءه الرجل من الخلف وضربه كفاً قوياً على خده.. فطاش جحا وكاد يقع على الأرض لولا أنّه تمالك نفسه من الوقعة..
فتاملك جحا نفسه والتفت وأراد أن يتعارك مع الرجل.. لكن الرجل اعتذر بشدة قائلاً: آسف يا جحا فقد ظننتك رجلاً آخر سرق مني بضاعة منذ مدة.. وكان يرتدي مثل جلبابك الذي ترتديه ويضع على رأسه مثل عمامتك.. فاعذرني يا جحا أعذرني...
فلم يقبل جحا هذا العذر وهجم عليه ليقتص منه.. فتدخل التجار وقالوا لجحا إنّ الرجل محق وشهدوا على ذلك.. فشعر جحا أنّ في الأمر خدعة ما.. فقال لهم: لن أرضى حتى نتحاكم.. فقالوا له: اختر واحدا من تجارنا الكبار ليحكم بينكما..
فاختار جحا أحد التجار وكان أكثر التجار غضباً من جحا..
فأقبل التاجر واستمع إلى شكوى جحا ليوهمه أنّه لا يعرف شيئاً عن هذه الصفعة..
فقال للرجل: ولماذا ضربت جحا بهذه القوة..
قال الرجل: أعذرني يا سيدي فقد كنت أظنه لصاً..
فقال له: هل اعتذرت منه؟
قال الرجل: نعم.
فقال التاجر: إذن هل تقبل الاعتذار يا جحا؟؟
فرفض جحا ذلك مطالباً برد اعتباره..
عندها قال التاجر: هل تقبلان بحكمي؟
فقال حجا والرجل: نعم.. ويشهد كل تجار السوق.
فقال التاجر للرجل: ادفع لجحا مبلغ 20 ديناراً عقوبة على ضربك له..
فقال الرجل: لكن يا سيدي ليس معي من هذا المبلغ شيئا الآن.
فقال التاجر وهو يغمز له بإحدى عينيه: اذهب واحضرها حالاً وسينتظرك جحا عندي حتى تعود.
فوافق جحا على ذلك وجلس ينتظر.
فذهب الرجل.. ومضى وقت طويل وطال انتظار جحا..
ومرت ساعات ولم يحضر الرجل.. ففهم جحا الخديعة.. خصوصاً أنّه كان يبحث عن تفسير لإحدى الغمزات التي وجهها التاجر لغريمه.
فقام جحا فجأة وصفع التاجر على خده صفعة طارت منها عمامته.. وقال له: إذا أحضر غريمي الـ20 دينارا فخذها لك حلالاً طيباً.. وانصرف جحا بعد أن أدهش كل من في السوق..


4 - جحا والخاتم
د.طارق البكري

من المعلوم أن جحا كان لديه كثير من الأصدقاء والمعارف.. وأحياناً يأتي إليه الأصدقاء يطلبون منه خدمات أو ليسألونه عن صاحب مهنة ما لعمل يريدون إنجازه..
وفي يوم جاء رجل إلى جحا وكان اسمه (حسن) وقال له إنه سيباشر عملاً جديدا في التجارة.. وأخذ يشرح له أنّه تاجر جديد.. ولا يملك مالاً كثيراً، ويحاول أن يجرب نفسه في عالم التجارة.. وقرر أن يعمل لنفسه خاتماً يستخدمه في معاملاته.. وقال له: إني أريد أن أصنع خاتماً وليس عندي مال كثير فدلني على صانع رخيص الثمن..
فقال جحا: لا بأس فأنا أعرف صانعاً ماهراً وسوف نساومه.. هيا بنا.
وانطلق جحا وحسن فوراً إلى صانع الأختام.. وفي الطريق راح جحا يسأله عن تجارته الجديدة.. ويعطيه بعض النصائح.. ولم يكن حسن يريد نصائح بقدر حصوله على خاتم لا يكلفه كثيراً من المال.. لكنه كان مضطراً للاستماع إلى نصائح جحا وإبداء الكثير من الإعجاب بها..
وعندما وصلا إلى حانوت صانع الأختام رحب بجحا ترحيباً شديداً.. وسأله عن حاجته، فقال له جحا: كم يكلف الحرف الواحد في الختم؟
فأجاب صانع الأختام: عشرة دراهم, ومن أجلك أنت يا جحا خمسة دراهم لا غير..
فوافق جحا لأنه رأى أن المبلغ معقول جداً ثم نظر إلى حسن.. فقال حسن بصوت حزين لجحا: ليس معي سوى عشرة دراهم!
نظر جحا إليه يريد مساعدته لكنه لم يكن يملك في ذلك الوقت مالاً.. ففكّر قليلاً ثم قال للصانع: اصنع لنا خاتماً باسم (خس).
فقال الصانع بدهشة: ما هذا الاسم؟
فقال: وما شأنك أنت؟؟ اصنع ما نريد.
فأراد حسن أن يعترض على هذا الخاتم.. فأشار إليه جحا بأن يسكت وينتظر..
وبدأ الصانع بصنع الخاتم..
وبعدما انتهى من تجهيزه وكتب كلمة (حس) وأراد أن يضع نقطة فوق حرف الحاء لتصبح (خاء) فتكون لدينا كلمة (خس), قال جحا مسرعاً: توقف توقف.. من فضلك ضع الآن النقطة على آخر السين..
فضحك الصانع وعرف أن ما يريده جحا هو اسم (حسن)..
فقال له الصانع: خدعة ذكية.. كان عليّ أن أحذر منك يا جحا.. ولكني أحترم ذكاءك.. وسوف أهديكما الخاتم دون أن تدفعا أي درهم..
وخرج التاجر من عند الصانع وقد عقدت الدهشة لسانه وراح يحسد جحا على فطنته وذكائه..


5 - جحا والسائل
د.طارق البكري

كان جحا يقضي أجمل أوقاته في فترة الظهيرة وهو يجلس في الطابق العلوي من منزله، حيث يكون الضوء ساطعاً والجو هادئاً، ما يمكّنه من القراءة فترة طويلة حيث تكون الشمس حارة وقوية، ونادراً ما يخرج الناس من بيوتهم إلا للضرورة..
وكان جحا في هذه الفترة لا يظهر على أحد من الناس... وكان الجميع يعرف أن جحا يفضل العزلة في هذا الوقت..
وكان بعض الناس في مجلس فتذاكروا أمر جحا.. فتحدى رجل الموجودين بأنه سوف يخرج جحا عن عادته اليومية ويخترق عزلته اليومية.. وذلك بأن يمثل عليه دور الفقير المحتاج.. فقد كان جحا مشهوراً بطيبة قلبه وإسراعه لمساعدة المحتاجين وطالبي الحاجة.. حتى أنّه يخرج بنفسه لمساعدتهم أينما كانوا..
واختار الرجل يوماً شديد الحر، وفيما كان جحا يقضي وقته بالمطالعة والبحث والقراءة.. سمع صوت طرق على بابه.. فلم يرد على الطارق لأول مرة.. لكن الطارق ظل يطرق الباب بقوة وخشي جحا أن تستيقظ امرأته.. وكانت متعودة على النوم في هذا الوقت من كل يوم بعد تعب طويل في شغل البيت من طبخ وتنظيف وخدمة زوجها وزوّاره... فأطلّ من الشباك فرأى رجلاً يحمل عصى غليظة يطرق بها الباب..
فصاح جحا: على مهلك أيها الطارق.. ما هذا الإزعاج وسط النهار؟؟ من أنت وماذا تريد؟
فقال الرجل: انزل يا جحا إلى تحت أريد أن أكلمك..
فقال جحا: قل لي ما تريد وأنا فوق؟ ما هذا الأمر الخطير الذي يستدعي نزولي وأنا في فترة راحتي وخلوتي؟؟ قل ما تريد فأنا أسمعك..
لكن الرجل أصرّ أن ينزل جحا من الطابق العلوي ليكلمه دون أن يسمعهما أحد من الناس..
فنزل جحا دون أن يكون راضياً..
وبعد أن رحب جحا بالرجل وصافحه.. قال الرجل: يا جحا.. أنا رجل فقير الحال، وقد سمعت عن حسناتك وطيبة قلبك وحسن تدبيرك ومعونتك للآخرين.. أريد حسنة يا سيدي.. لأطعم بها أولادي الجائعين.. وهم بالمنزل لم يأكلوا منذ يومين..
وصار الرجل يتصنع البكاء.. وكان يريد أن يستعطف قلب جحا ويضطره للخروج من منزله في هذا الوقت الذي لا يخرج فيه ويجلب الطعام وينقله لأولاده الجائعين حسب زعمه.. وبذلك يكسب التحدي.. فنظر جحا إلى هيئة الرجل فلم يلاحظ عليه شدة فقر أو عوز كما يدعي.. بل كان يبدو أنّه من أصحاب الجاه والعز.. وكان جحا عالماً بالرجال.. يميز بنباهته وذكائه من هو الصادق من الكاذب.. فاغتاظ جحا وقرر أن يلقنه درساً..
فقال له بصوت منخفض وكأن قلبه قد رقّ له وأنه سوف يستجيب لطلبه: اتبعني أيها الرجل الطيب.. وصعد جحا إلى أعلى البيت والرجل يتـبعه، فلما وصلا إلى الطابق العلوي.. اتخذ جحا سلماً يقوده إلى سطح المنزل.. وكان السلم طويلاً والرجل سميناً ضخم الجثة.. فأتعبة جداً صعود السلم وصار يلهث من التعب.. حتى وصل إلى أعلى المنزل في العراء وكانت الشمس شديدة والهواء حار جداً.. فوقف الرجل في هذا الجو اللاهب ينتظر ما سيعطيه أياه جحا.. لكن جحا قال: له انتظرني سأعود حالاًً..
وبعد أن تركه تحت الشمس فترة من الوقت وخاف جحا أن يصيبه مكروه من شدة الشمس.. عاد إليه وقال له: الله يعطيك.. ليس عندي اليوم لا درهم ولا دينار ولا حتى حبة قمح...
فأجابه الرجل مغتاظاً: ولماذا لم تقل لي ذلك ونحن تحت؟
فقال جحا متهكماً مبيناً له أنّه اكتشف لعبته: وأنت لماذا أنزلتني ولم تقل لي وأنا فوق؟
فذهل الرجل من موقف جحا وذهب إلى أصدقائه يجر الخيبة من ورائه..
وسلّم الجميع بعد هذا الموقف بذكاء جحا ونباهته....


6 - جحا والحمار
د.طارق البكري

في أحد الأيام.. أراد جحا أن يشتري حماراً جديداً بعد أن كبر حماره وأصابه الهرم.. ولم يعد يستطيع حمل الأحمال الثقيلة ولا التنقل بين البراري والجبال.. لكن جحا كان وفياً لحماره فلم يستغني عنه.
وقال له: كيف أتركك يا حماري وقد كنت خادماً لي طوال السنوات الماضية؟ لقد كنت صبوراً وتحملتني كل هذه السنين.. لذا سوف أحضر لك حماراً قوياً يكون يعيش معك في الزريبة ويخفف عنك الأحمال ويسليك في وحدتك.. وسوف تخرج معنا إلى البراري دون أن أضع عليك أي حمل..
وذهب جحا إلى السوق ليبحث عن حمار قوي.. وراح يساوم البائعين حتى وجد حماراً مناسباً.. فقال: هذا هو الحمار الذي أريده.. واشترى جحا الحمار وربطه بحبل قوي.. ومشى يجره وراءه.
وكان هناك لصان شديدا الحيلة يراقبان جحا..
وبعد أن اشترى الحمار وسار عائداً إلى بيته.. تبعه اللصّان..
وفي الطريق شعر جحا بتعب شديد وكاد ينام على الطريق، لكنّه أصرّ على المسير دون أن يمتطي ظهر الحمار حتى لا يتبعه من أول يوم..
ومن شدة التعب كان جحا يمشي ببطء.. ويكاد يسقط على الأرض نائماً.. فانتهز أحد اللصين حال جحا.. واقترب منه يكلمه سائلاً عن طريق السوق.. وفيما كان جحا يشير للرجل بيديه.. اقترب اللص الثاني وحلّ رباط الحبل ووضعه حول عنقه.. وبعد أن تأكد الأول من نجاح الخطة.. ترك جحا ليسير في طريقة.. ثم أخد الحمار وهرب به دون أن ينتبه جحا إلى ما حدث.. وبعد قليل التفت جحا خلفه بعد أن لاحظ تثاقل الحمار عن المشي فأصابته دهشة عظيمة وانعقد لسانه عن الكلام بعد أن وجد إنساناً من لحم ودم.. وبشارب ولحية.. مربوطاً بالحبل.. فتعجب جحا وقال له: أين حماري؟ ماذا فعلت به؟؟.. قل وإلا أخذتك إلى رئيس الشرطة..
فقال الرجل متلعثماً وهو يظهر الخوف والهلع: أنا.. أنا يا سيدي هو الحمار..
فقال جحا مستغرباً: هل تكذب علي.. كيف يكون هذا؟
فقال اللص: اسمعني يا سيدي.. أرجوك.. لوقبلت عذري سامحني وإلا فسلمني إلى الشرطة.. أو افعل بدي ما بدا لك..
وراح الرجل يمثّل البكاء..
فقال له جحا: هيا تكلم.. ولا تتكلم إلا بحق..
فقال الرجل المحتال: كنت يا سيدي شاباً صغيراً طائشاً..عاقاً لوالدتي ولا أسمع كلامها ولا أحضر لها ما تطلبه مني.. وفي يوم كانت مريضة.. وطلبت مني أن أذهب وأحضر لها الطبيب.. ولكني كنت كسولاً جدا وصبياً خائباً.. فقلت لها: أنا نعسان وأريد أن أنام.. فاشتد مرض أمي خلال الليل.. ومن شدة ألمها رفعت يديها إلى السماء ودعت الله أن يمسخني حماراً. فلما أصبح الصباح قمت من نومي فوجدت نفسي ممسوخاً حماراً.. فذهبت بي أمي إلى السوق بعد أن شفيت من مرضها وباعتني لأحد التجار، ومن يومها وأنا أباع وأشترى حتى وصلت إليك.. وكل يوم أدعو الله وأصلي أن تعفو أمي عني.. واليوم أحسست صباحا أن أمي سامحتني وبدأت أشعر بالتغيير حتى قدمت أنت واشتريتني، وفي الطريق تغيرت ملامحي وعدت إلى طبيعتي.. بعد سنوات من دعاء أمي عليّ.. وهذا رحمة من ربي.. ومسامحة أمي.. وبركة شرائك لي.. ولو كنت أملك مالاً وفيراً لأعطيتك إياه ولما اكتفيت من شدة فرحتي، خاصة إنك أول من رآني بعدما عدت إلى آدميتي.. وكنت دفعت لك المال الذي اشتريتني به أضعافاً مضاعفة... لكنّك تعرف أنّي لا أملك من المال شيئاً.. فإذا أردتني أن أكون (حماراً) لك كنت ما تريد.. فهذا حقك عليّ.. ولن أعصيك وقد رأيت وخبرت نتيجة عصياني لحق أمي.. ولو تركتني أعود إلى أمي طائعاً متذللاً لها، سأخبرها بموقفك النبيل معي.. وستدعو لك بالخير.. وهي كما ترى دعوتها مستجابة..
وكان جحا واقفاً يستمع إلى الرجل مندهشاً ولا يستطيع الكلام..
وبعد أن سكت الرجل عن الكلام..
طأطأ جحا رأسه.. ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا سبحان الله.. استغفر الله العظيم.. كيف كنت سأستخدمك وأنت آدمي؟.. معاذ الله.. اذهب يا بني إلى حال سبيلك.. اذهب إلى أمك واطلب رضاها، وإياك أن تغضبها مرة أخرى..
وحلّ جحا رباط الحبل من حول عنق الرجل وهو يكرر له القول: إياك إياك أن تغضب أمك مرّة أخرى، أما أنا فسيعوضني الله خيراً.
ثم ذهب جحا إلى منزله وأخبر امراته بهذه الحادثة العجيبة..
وكان الحزن والكآبة يسيطران عليه لأنّه لم يعد يملك مالاً كافياً لشراء حمار جديد..
فقالت له امرأته تواسيه: لا تحزن يا زوجي العزيز، فقد فرّجت كربة هذا الرجل المسكين.. خذ إسوارتي الذهبية وبعها واشتر بثمنها حماراً جديداً.. لا بأس يا جحا.. لا بأس عليك..
وفي صباح اليوم التالي ذهب جحا إلى السوق ليشتري حماراً جديداً.. فأصيب بصدمة كبيرة ووقف مشدوها لا يستطيع الحراك..
فقد رأى الحمار الذي اشتراه بالأمس يقف بين مجموعة من الحمير..
فسأل البائع عن هذا الحمار؟
فقال له البائع: إنّ امرأة عجوز أتت هذا الصباح الباكر وباعتني الحمار..
وكان أحد اللصين قد تنكر على هيئة امراة عجوز وباع الحمار للتاجر ثم تقاسما المال بينهما..
ثم قال البائع لجحا وقد رأى اهتمامه بالحمار هذا: إنّه حمار قوي.. أنصحك بشرائه..
فتقدم جحا نحو الحمار وجعل فمه في أذنه وقال له والتاجر مستغرب أشد الاستغراب: يا شؤم.. عدت إلى عقوق أمّك... ألم أقل لك لا تغضبها؟ ألم تتعلم من تجربتك القاسية؟؟ إنك بالفعل تستحق ما حلّ بك... والله لن أشتريك أبداً حتى لا تفعل بي مثل المرة الماضية.. فأنت لا تستحق العطف ولا الغفران.. سأتركك مع الحمير ها هنا جزاء عقوقك والدتك.. وعسى أن يشتريك تاجر حديد ليحمل فوق ظهرك أطناناً من الأثقال التي تستوجبها نتيجة فعلك السيء..
ثم طلب جحا من تاجر الحمير أن يبيعه حماراً آخر.. وشدّ الحبل حول عنقه بعد أن دفع ثمنه.. ثم امتطى ظهره هذه المرة ولم يتركه يمشي خلفه.. وضرب بكعب حذائه أسفل بطنه.. ليحثه على السير نحو منزله..
وفي الطريق راح جحا يفكر بذلك الحمار وحظه السيء وعاقبة العقوق، وصار يقول في نفسه: لعن الله العقوق لما يورث الإنسان من خزي ومن عار..


7 - جحا واللص
د.طارق البكري

في يوم من الأيام كان جحا لوحده في بيته بعد أن ذهبت زوجته لزيارة أختها في بلدة قريبة.. وقالت له إنها سوف تقضي الليل عند أختها وتعود في اليوم التالي..
وكان جحا في تلك الليلة حائراً حزيناً مهموماً لأنه لوحده في البيت وزوجته بعيدة عنه..
فأطفأ كل أنوار المنزل.. وذهب إلى فراشه لينام باكراً..
وكان هناك لص يراقب المنزل... فرأى الأنوار مطفأة في وقت مبكر..
فاعتقد أنّ أهل البيت كلهم غير موجودين فيه.. خاصة أنه رأى زوجة جحا تخرج من المنزل في الصباح ومعها حقيبة ملابسها..
ففرح اللص وظنّ أنها فرصة مناسبة للسطو على منزل جحا معتقداً أنه مليء بالمال والجواهر..
ودخل اللص البيت بهدوء.. لكن جحا لم يكن قد نام بعد.. فاختبأ في صندوق صغير في غرفته وتكوّر جحا داخل الصندوق بسهولة تامة وذلك لصغر حجمه...
وراح اللص يبحث هنا وهناك عن كنز مزعوم دون أن يجد شيئاً..
ثم راح يبحث عن شيء أقل قيمة ليسرقه فلم يجد شيئاً يستحق السرقة..
وبعد بحث طويل.. رأى الصندوق في زاوية الغرفة ولم يكن قد لاحظه من قبل، فقال في نفسه: لعل فيه شيئاً له قيمه..
ففتحه اللص وكانت مفاجأة عجيبة..
وإذا بجحا متجمّع في داخله..
فتراجع اللص من هول المفاجأة.. وصاح قائلاً: ماذا تفعل هنا يا جحا؟
فقال جحا: لا تؤاخذني يا سيدي فإني كنت عارفاً أنك لن تجد ما تسرقه، ولهذا خجلت منك، واختبأت في هذا الصندوق..
فدهش اللص من صنيع جحا وفر هارباً.. ناعياً سوء حظه..


8 – جحا وحمار الوالي
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

قام جحا بزيارة صديق له يعمل وزيراً عند الوالي في بلدة بعيدة... وكان يحكم هذه البلدة وال لا يميّز بين الحق والباطل.. وكانت رعيته صابرة تحتسب أجرها على الله.. فيما غادر كثير من شباب البلدة هرباً من ظلمه وجهله..
وفي يوم، وبعد وصول جحا إلى البلدة بنحو أسبوع.. طلع في رأس الوالي أن يعلّم حماره حروف الهجاء العربية.. فاستدعى كبير الحكماء وطلب منه تعليم الحمار.. فاستنكر الحكيم هذا الكلام.. وقال له: حمار ويتعلم؟؟ لم نسمع عن مثل ذلك في حياتنا ولا في حياة آبائنا، وما قرأنا عن ذلك شبهاً في كتب الأقدمين..!
فغضب الوالي غضباً شديداً وأمر بنفي العالم وأبعاده عن البلدة..
ثم أرسل الوالي من يعلن في ساحة البلدة أنّه سيقدم مكافأة عظيمة لمن يقوم بتعليم حماره حروف الهجاء.. التي يجهلها الوالي نفسه...
فسمع جحا هذا الإعلان وقرر الذهاب إلى الوالي على أساس أنّه معلم قدير للحمير والبهائم..
وعندما علم الناس حاولوا منع جحا عن القيام بذلك، فهم أدرى منه بحاكم بلدتهم.. لكن جحا لم يبال بكل ما سمعه منهم.. واتجه مباشرة نحو قصر الوالي بثقة وإصرار..
وسمح له الحرس بالدخول إلى مجلس الوالي بعد أن أخبرهم بأنه معلم خبير بالحمير..
وقال جحا للوالي إنّه مغرم بتعليم الحمير ولديه مدرسة كبيرة في بلاد بعيدة تعلم الحمير الألف باء.. وليس هذا فقط.. بل تعلمهم أيضاً اللغات الاجنبية..
ففرح الوالي فرحاً شديداً، وأمر بصرّة من الدراهم الذهبية إكراماً لهذا الفهيم الذي يعرف قيمة الحمير..
واتفق الوالي مع جحا أن يبدأ بتعليم الحمار فوراً، وأمر بأن يعطى جحا داراً وخدماً..
واشترط جحا على الوالي أن يتم تعليم الحمار في غرفة تعد خصيصاً لذلك داخل قصر الوالي نفسه.. وأن يعطيه الوالي مهلة ثلاث سنين، وأن يشارك الوالي يومياً لمدة ساعة كاملة في الحصص الدراسية التي سيقدمها جحا للحمار، وأن يشاركه في حل الواجبات..
فوافق الوالي تقديراً منه لهذا المعلم القدير.. وقرر صرف راتب له طوال هذه المدة، معلناًً أنّه لو نجح في تعليم الحمار فسوف يعطيه جائزة كبيرة تضمن له العيش بثراء طوال حياته.. وحذره من فشل مهمته قائلاً: لو فشلت يا جحا في تعليم الحمار فسوف أسجنك وأضربك بالسياط ما دمتُ حياً..
وقبل جحا بشرط الوالي وتعهد بذلك أمام حاشيته ووزرائه الذين استغربوا بشدة هذا التهور من جحا واعتبروا عمله جنوناً..
فلما خرج جحا من مجلس الوالي استوقفه صديقه الوزير وقال له: أيّها أحمق! كيف تطلب لنفسك هذه المهمة؟ وكيف توافق على شرط الوالي؟ أمجنون أنت؟
فضحك جحا طويلاً وقال: يا أخي في هذه السنوات القليلة سأبذل جهدي لتعليم الحمار، فإن لم يتعلم وذلك مؤكد فسوف يتعلم الوالي، وعندها سيميز ما بين الخطأ والصواب، وأكون بذلك قد خدمته وخدمت البلدة كلها.. أمّا إذا لم يتعلم أحد منهما فسأطلب تجديد المهلة مدعياً أنّ الحمار بدأ يتعلم ولكنّ ذهنه غليظ ويحتاج لفترة زمنية أطول.. وفي هذه الفترة إمّا أن أجنّ أنا أو ينتهي عمري فأموت, أو يتعلم الوالي أو يجنّ، أو ينتهي عمره فيموت, أو يموت الحمار.. أو تقوم السّاعة فنموت جميعاً..
وراح صديق جحا الوزير يضحك من أعماق قلبه..
فقال جحا: قل لي الآن، من منا الأحمق أيّها الذكي؟!


9 - مسمار جحا؟
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

هذه قصة شهيرة لجحا.. ذهبت مثلاً على مدى الأزمان..
ويروى أنّه كان لجحا دار واسعة جميلة، اضطر يوماً لبيعها بسبب حاجته لبعض المال، ففكر أن يبيعها دون أن يفرط فيها تماماً.. بحيث يأخذ المال ثم يستعيدها بعد فترة من الزمن.
فعرضها للبيع بعد أن فكر بخدعة لا تخطر على بال أحد من الناس..
فعرض داره للبيع بسعر معقول.. وأضاف مبلغا إضافياً كبيراً على مسمار وضعه في الحائط... فكان كل من يأتي ليشتري يعجبه البيت والسعر ولكنه يعترض على سعر المسمار فيقول له: إذن اشتري البيت واترك المسار لي..
فظل جحا على هذه الحال مدة من الزمن حتى جاءه أخيراً مشتر محتاج للبيت بشدة، لكنه كان يملك سعر البيت ولا يملك سعر المسمار.. وقبل بشراء المنزل على أن يبقى المسمار ملكاً لجحا.. وقال المشتري في نفسه، وماذا سيفعل جحا بهذا المسار.. ما دام المسمار داخل داري؟؟
لكن جحا اشترط على المشتري الذي أراد أن يشتري الدار أن يكتب في عقد البيع أن يدفع المشتري ثمن الدار نقداً، وأن يترك المسمار الموجود مسبقاً في الحائط داخل الدار ولاينزعه أبداً. وأنه يحق لجحا أن يفعل بالمسمار ما يشاء..
فوافق المشتري دون أن يلحظ الغرض الخفي لجحا من وراء هذا الشرط..
وبعد أيام من إتمام العقد.. وانتقال الشاري إلى منزله الجديد ذهب جحا الى بيته الذي باعه ودق الباب.
فلما سأله الرجل عن سبب الزيارة أجابه جحا: جئت لأطمئن على مسماري!!
فرحب به الرجل، وأجلسه، وأطعمه.
لكن الزيارة طالت وعانى الرجل حرجاً من طول زيارة جحا.
وصار جحا يأتي من يوم لآخر.. يتفقد المسار ويجلس فترة طويلة، ويأكل من أكل صاحب الدار ويشرب من شرابه حتى ضاق به ذرعاً وراح واشتكاه لكبير الشرطة..
فعلم جحا بالأمر فحضر على الفور إلى بيت الرجل.. ودخل مسرعاً متوجهاً نحو الحائط حيث مسماره.. وخلع جبته وفرشها على الأرض وتهيأ للنوم، فلم يطق المشتري صبراً وسأله: ما هذا الذي تفعله يا جحا؟!
فأجاب جحا بهدوء: أنت اشتكيتني لكبير الشرطة.. وأنا أتيت لأنتظره هنا.. وسأنام حتى يحضر في ظل مسماري. لكن كبير الشرطة لم يأت لأنه يعرف جحا جيداً ويعرف العقد الذي بينه وبين الرجل.
وظل جحا يذهب يومياً للرجل بحجة مسماره العزيز، ويختار أوقات الطعام ليشارك الرجل في طعامه، فلم يستطع الرجل الاستمرار على هذا الوضع، وترك لجحا الدار بما فيها!
ومن حينها أصبح الناس يروون حكاية (مسمار جحا) التي أصبحت مثلاً..


10 - جحا والقاضي الظالم
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com


يحكي أنه كان هناك قاضياً ظالماً يعيش في زمن جحا.. وحاول هذا القاضي الظالم ويدعى بهراج وجاره الغني منباج الاستهانة بجحا والاتسهزاء به فقالا له: يسعدنا أن نصطحبك معنا في رحلة للصيد، لكنك للأسف لا تملك من معدات الصيد شيئاً ولا حتى صقراً..
فضحك جحا وعرف أنهما يريدان الاحتيال عليه، وقرر أن يلقنهما درساً لا ينسيانه في حياتهما..
فقال لهما: ومن هذا الغبي الذي قال لكما إنني لا أملك صقراً.. انتظرا قليل وسوف أريكما صقري..
وذهب جحا وأختفى بين أشجار الغابة القريبة ثم عاد وهو يحمل غراباً وقال لهما: انظرا وتأكدا بنفسيكما.. هذا هو صقري.
فضحك القاضي وجاره.. وقالا له: يا له من صقر بديع.. إذن ستذهب معنا اليوم في رحلة الصيد..
وذهب الثلاثة للصيد، وأطلق جحا (صقره) فوقف على ظهر بقرة سمينة، فصاح جحا: يا لهذا الصقر الشجاع الذكي.. هذا هو صيدي الثمين..
فانزعج التاجر الغني من ذلك كثيراً حيث إنّ هذه البقرة تعود له، لكنّ جحا أصرّ على أنّها بقرته التي اصطادها غرابه، فاقترح القاضي أن يذهب الاثنان إلى المحكمة غداً..
وفي اليوم التالي ملأ جحا جرّة كبيرة بالتراب، وغطى فوهتها بالعسل، وذهب بها إلى القاضي الذي ما إن رأى الهدية حتى طرد التاجر الغني وحكم بالبقرة لجحا. ولشراهته وطمعه حاول القاضي أن يتذوق العسل وكاد يختنق بالتراب. فخرج جحا على الفور من مجلس القاضي يجر البقرة.. وكان سعيداً بانتصاره على من أضمر الشر له واستهزأ به.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-12-2008, 05:31 AM
الصورة الرمزية DeLta
DeLta DeLta غير متواجد حالياً
المدير العام
 
تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: الـجـمـهـوريـّة اللـبـنـانـيـّة
المشاركات: 20,323
CD Album

قصص متنوعة


1 - مملكة التفاح

2 - لم أعد طفلاً

3 – الممحاة والقلم الأزرق

4 – المبراة وقلم الرصاص

5 - مشهور المشهور

6 – الشمس المريضة!

7 - البنت المقدسية

8 - الأمير هيكارو




مملكة التفاح
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com


في مملكة بعيدة.. كان الناس لا يعرفون من طعام غير التفاح.. وكانت أشجار التفاح منتشرة في أنحاء المملكة، وكل شجرة لها اسم ورقم وبطاقة هوية، مثلها مثل الناس الذين يعيشون فيها.. وكان للمملكة ملكة طيبة جداً، تعرف باسم ملكة التفاح.. وتحتفل كل عام بعيد شعبي، وهو طبعاً: عيد التفاح..
عاش الناس في المملكة زمناً طويلاً لا يعرفون غير التفاح، بألوانه المختلفه.. وأحجامه المتنوعة... وكان التفاح يزهر في كل فصول السنة، ولكل فصل نوع معين يختلف عن الفصول الأخرى..
وفي يوم دخل المملكة رجل شرير.. كان لا يحب التفاح.. وعندما شاهد كل هذا الاهتمام بالتفاح.. أصابه غضب شديد.. وذلك لما رآه من حب الناس للتفاح وتمتعهم بالصحة والسعادة، حيث إن المملكة كلها لم يكن فيها غير طبيب واحد ومن النادر أن يأتي إليه أحد من الناس، وذلك بسبب ما يمنحهم التفاح من قوة ومناعة.. فقرر الرجل الشرير أن يقضي على كل التفاح في المملكة..
كان يعرف نوعاً من الدود الشره.. يتكاثر بسرعة وأكلته المفضلة التفاح.. ولا يكتفي بأكل الثمرة وحدها... بل يهاجم الأشجار نفسها.. وينخر جذوعها حتى تموت..
ذهب الرجل الشرير إلى غابة بعيدة وأحضر منها مجموعة من الدود المؤذي.. نشرها في المملكة.. في أيام قليلة تكاثر الدود بشكل رهيب.. وهاجم كل أشجار التفاح في المملكة.. وقضى على كثير من أشجار هذه الثمار المفيدة الطيبة.. دون أن يدرك الناس ماذا يفعلون وكيف يقضون عليها.. وبعد أن اكتسح الدود الأشجار وقضى عليها.. غادر المملكة.. وقد ازدادت أعداده بالآلاف..
عندها وجد أهل البلدة أنفسهم وقد انتهى موردهم الأساسي للحياة... وهم لا يعرفون غير التفاح.. ولولا ما يجففون من ثمرة التفاح، وما يصنعون من مربى التفاح.. وطحين التفاح، ولديهم مخزون منه.. لقضى عليهم الجوع واضطروا الى مغادرة المملكة بحثاً عن طعام..
كان كل بيت في المملكة لديه مخزون يكفيه بضعة أشهر.. وكان في قصر الملكة مخزون كبير.. وأمرت الملكة وزراءها بأن يوجدوا حلاً سريعاً للمشكلة قبل أن ينفد المخزون..
وطلبت الملكة منهم أن يبحثوا عن طريقة جديدة غير الاعتماد على التفاح.. فاقترح بعضهم زراعات مختلفة، وأن تجلب البذور من أماكن متفرقة، وأن تبنى مخازن كبيرة..
واقترح آخرون أن يتم التفكير بصناعة مادة تقتل الدود وأي حشرة مؤذية أخرى مستقبلاً..
وافقت الملكة على الاقتراحين.. وبدأ العمل..
عاد الرجل الشرير بعد فترة إلى المملكة.. فوجدها مزدهرة أكثر من السابق.. ووجد شجيرات التفاح، والموز، والرمان، والخوخ، والمشمش.. وعرائش العنب، وسنابل القمح.. فاشتد غضبه أكثر من السابق..
وراح يفكر بطريقة تفتك بكل هذا العمل.. وفكر أن يقوم ليلاً بحرق البساتين..
وفي الليل.. أحضر أعواداً جافة شديدة الاشتعال.. وما أن اقترب من البساتين الخضراء الجميلة لتنفيذ خطته.. فوجئ بمجموعة من الحرس ينقضون عليه ويودعونه لسجن..
في الصباح.. كان الرجل اقرََّ بجريمته الجديدة، كما اعترف بجريمته القديمة.. وقرر القاضي معاقبته..
عندما وصل الأمر الى الملكة.. قررت إصدار عفو عنه.. ورأت أنه كان له فضل بأن أصبح الناس في المملكة يعرفون كل الأطعمة، ولم يعودوا يكتفون بطعام واحد فقط.. وأصبحوا يسهرون على حماية أنفسهم وأرضهم.. وقررت منحه مكافأة..
الرجل الشرير أصيب بالدهشة.. وصار يرجو الملكة أن تسامحه وتغفر له ذنبه.. وأعلن ندمه، وأنه يريد أن يكفر عن ذنبه ويريح ضميره الذي أحيته هذه الملكة الطيبة.. بأن يعمل في المملكة فلاحاً وخادماً دون مقابل.. لكن الملكة رحبت به مواطناً صالحاً.. ومنحته بيتاً جميلاً.. وأرضاً فسيحة..
عاش الرجل في المملكة سعيداً.. يقضي كل وقته في الفلاحة والحراثة والزراعة.. وأصبح التفاح أكلته المفضلة..


لم أعد طفلاً
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

مرحبا يا أصدقائي، سأخبركم عن قصتي مع أبي.. فهو يعاملني كطفل صغير.. أصبح عمري عشر سنين ويقول إني صغير... وعندما أرغب في الذهاب مع أصدقائي يوم عطلة يقول: يجب أن يكون معكم شخص كبير.. ويتبرع بنفسه ليذهب معنا الى الحديقة أو إلى البحر...
بعض أصدقائي لا يعجبهم الأمر .. لكني لا أخبر أبي بذلك.
يظل أبي يراقبنا طوال الوقت مثل حارس أمين.. وأراه يهتم بأصدقائي كما يهتم بي.. وهذا يسعدني.. فلو أحضر لي شيئاً مثل أكياس بطاطا (شبس) أو حلوى أو بسكويت يحضر لكل الأصدقاء الذين معي مهما كان عددهم...
اعتدت على هذه الحال ولم أعترض.. بات الأمر طبيعياً بالنسبة لي، وكان آباء أصدقائي فرحين بذلك ويطمئنون بأننا لن نتعرض لسوء...
ومرة أخذنا أبي الى حديقة عامة كبيرة.. وفيما نلعب سمعنا صياح صديقنا علي الذي كان من أشد المعترضين على ذهاب أبي معنا لأننا باعتقادهم لا نأخذ حريتنا باللعب..
وفي يوم ارتفع صوت علي بصرخة مدوية..
علي صديقي وقع من أعلى لعبة كن يتأرجح بها, فسقط على يده وانكسرت عظامها.. فصار يصرخ من الألم...
بادر أبي إلى الاتصال فوراً بالإسعاف وطلب من علي ألا يحرِّك يده أبداً.. تمدد علي على الأرض وهو يبكي من الألم.. وجلسنا إلى جانبه نحاول أن نهدئه ونواسيه.. فتجمع الناس حوالينا.. ولما وصلت سيارة الإسعاف قام المسعفون بوضعه داخل السيارة لنقله إلى المستشفى فوراً، وركبنا نحن في سيارة أبي نسابق السيارات خلف سيارة الإسعاف وأبواق سيارتنا تشق الطريق، وظن الناس أن أبي هو والد علي من شدة ما كان قلقاً ومتوتراً ويسابق الريح من أجله... حتى أنه نسي أن يتصل بأسرة علي.. وأنا وأصدقائي كنا خائفين ولا نعرف كيف نتصرف..
مضى وقت لم نستطع فيه أن نكلم أبي.. حتى خرج عليّ من غرفة العمليات ويده كلها محشورة في قالب طيني ناصع البياض.. والطبيب يقول لا خطر عليه ويمكنه الخروج من المستشفى.. فشكر أبي الطبيب وأنهى معاملات المستشفى.. وسجل الأمر على أنه حادث طبيعي..
كان علي ممتناً لأبي وآسفاً لأنه لم يكن يحب بقاء والدي معنا في رحلاتنا ونزهاتنا..
شكر علي أبي على ما فعله فجاوبه: المهم سلامتك.. وأوصلنا علياً إلى منزله بسيارة أبي وفوجئ جميع أفراد أسرته بما حدث.. وشكروا والدي كثيراً... وكنت فخوراً جداً... وظلَّ كلُّ أصدقائي يتحدثون عن الحادث لعدة أيام حتى وصل الخبر إلى إدارة المدرسة فقررت تكريم أبي على موقفه النبيل...
فخورٌ أنا بأبي صغيراً وكبيراً.. وأولادي هم أيضاً فخورون بجدهم..
لكنه ما زال يظن أني صغير رغم أني تخرجت في الجامعة واشتغلت.. وتزوجت وأصبحت أباً لأولاد وبنات..
بالمناسبة... أنا اليوم أخرج معهم ومع أصحابهم الصغار في أيام العطل..
مع رأيكم يا أصدقائي بقصتي مع أبي؟
مع السلامة..


الممحاة والقلم الأزرق
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

جلست الممحاة تحدث قلم الحبر الجاف الأزرق يوماً..
قالت: هل تدري يا زميلي.. أنّه رغم منافعك الكثيرة فإنّي أحياناً أغضب منك؟
ضحك القلم الأزرق بصوت عالٍ.. فسمعت ضحكته المحبرة والأوراق البيضاء.. والمسطرة.. وارتجت الطاولة التي يقفون عليها من الضحكة العالية.. فانتبه لنفسه فكتم نفسه بعد أن ملأ صوته المكان...
ثم اقترب من إذن الممحاة وقال هامساً: لماذا يا صديقتي الممحاة تغضبين مني؟ أنا أحبك كثيراً لأنّك تفيدين صديقي التلميذ ولا تؤذينني..
قالت الممحاة بحدة: أنت تجيب على نفسك.. أنت قلت لا أؤذيك.. وكيف يمكنني أن أؤذيك؟؟.. هل تراني مؤذية؟؟.. لكنّك تعتبرني صديقة لأنّي لا أستطيع أن أمحوَ حبرك القوي من أوراق صديقنا التلميذ حينما يخطئ في الكتابة.. فيضطر إمّا إلى قطع الورقة أو يدع حبرك يشوّه الصفحات بعد أن يشطب الكلمة التي أخطأ فيها.. أو يعيد تصحيح الحرف فوق الحرف الخطأ.. ثم قالت مع تنهيدة عميقة: آآآآآه.. يا له من منظر بشع؟؟
ضحك قلم الحبر الجاف مرة ثانية وقال: هل تعتقدين يا صديقتي أنّ التلميذ المحبوب هو صديقك لوحدك.. فهو أيضاً صديقي الذي أحب كثيراً.. لكنك ربما نسيت ما أفعله لصديقنا التلميذ.. هل نسيت أنّه يدون في حبري المعلومات التي يريد أن يحتفظ بها لسنوات وسنوات؟؟ على عكس القلم الرصاص الذي تستقوين عليه، وتعرضين عضلاتك على خطوطه الضعيفة.. وتمحينها بمرور بسيط فوق أوراق الدفتر.. أمّا أنا وبكل فخر.. فالكلمات التي يكتبها الطفل على الورق بحبري.. تبقى منوقوشة ولا تمحى بمرور الزمن.. على عكس القلم الرصاص الذي يبهت ويخف تدريجياً مع الأيام..
الممحاة: لكن التلميذ - صديقي - يخطئ أحياناً ويحتاج أنْ أصحح له الخطأ، عندما يكتب بالقلم الرصاص فالتصحيح يكون سهلاً بسيطاً.. لكن عندما يكتب بك.. فالأمر عسير..
يضحك القلم ضحكة عالية جداً.. أعلى من الضحكة السابقة.. لكنه يتوقف عن الضحك ويعتذر للممحاة، قائلاً: آسف.. فالضحكة غلبتني.. ولا أقصد إزعاجك ولا التهكم على كلامك.. لكن يا عزيزتي الممحاة.. ألا تدرين أنّ هنالك اختراع قديم يشبه الممحاة يمكّن الطفلَ من وضْع سائل أبيض خفيف فوق الكلمة الخاطئة فتخفيها ثم يعاود الكتابة في المكان نفسه بعد أنْ يجفَّ السائل..
قالت الممحاة بغضب: يا لك من مغرور.. هل تظنني ممحاة جاهلة؟؟.. كيف لا أعرف هذه الوسيلة المفيدة؟؟ لكنها تشوّه منظر الصفحة قليلاً، وليست بسهولة الممحاة مع القلم الرصاص..
أجابها القلم الحبر الجاف: أنت محقة.. ولكن لا بد لكل شيء من ميزات مفيدة وجوانب ليست كاملة.. وهذا أمر عادي.. فمن منا كامل يا عزيزتي الممحاة.. إلا تريِّن نفسك كيف تذوبين، وتسود صفحات وجهك مع كثيرة الاستعمال.. وتتركين بعض الأجزاء منك على سطح الدفتر ينثرها التلميذ على الطاولة والأرض، ومع كثرتها تلوّث الطاولات وأرض الفصول..

(الممحاة تدير وجهها تعلو خديها حمرة الخجل).

يقترب القلم منها معتذراً: آسف .. آسف.. لا أقصد إزعاجك.. أنا فقط أوجه نظرك إلى أشياء ربما نسيتها مع انشغالك بحبري الأزرق.. أنا أعترف بمشكلتي هذه مع التلميذ.. لكني أعمل بجد لأساعده كي لا يخطئ في الكتابة، ولذلك أكون طيعاً بين أصابعه.. أتركه يحركني بخفة وسهوله.. ولا أترك حبري يسيل على دفتره.. ودائماً أحرص على أنْ أضع خوذتي على رأسي كيلا ألوّث أوراقه وثيابه وحقيبته عندما لا يريد أن يستخدمني..
تخفض الممحاة رأسها.. وتقول: لقد غلبتني يا قلم الحبر الأرزق.. من الآن فصاعداً سنكون صديقين دائماً..
قال القلم: أنا لم أكن أسعى لغلبتك.. ولو كنت أكره أحداً لكرهت المادة البيضاء التي تمحي آثاري.. بالعكس أنا أحبها مثلما أحبك.. لأنها مفيدة لصديقنا التلميذ..
قالت الممحاة بفرح: صدقت أيها القلم الذكي.. أعدك أنني لن أحزن منك بعد اليوم.. وسنتعاون لمساعدة التلميذ على التفوق والنجاح..
قال القلم: هيا بنا الآن، أني أرى صديقنا التلميذ يعود إلى طاولته، ربما يكون بحاجة إلينا..


المبراة وقلم الرصاص
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

في حقيبة مدرسية.. اجتمعت المبراة والقلم الرصاص..
ابتعد القلم الرصاص عن المبراة.. لا يريد أنْ يكلمها.. ولا حتى أنْ يراها..
ابتعد إلى زاوية الحقيبة.. ولصق نفسه بجدارها الجلدي يسلّي نفسه بذكرياته الجميلة عندما كان قلماً كاملاً.. لم تمسّه شفرات المبراة الحادة.
كانت الحقيبة تتحرك بخفة على ظهر تلميذ صغير يسير متجهاً نحو مدرسته.. وتمايل الطفل قليلاً وقفز فوق حفرة صغيرة تجمعت فيها مياه المطر.. اهتزت الحقيبة بقوة فتدحرجت المبراة والتقت وجهاً لوجه مع القلم..
ودار حوار:
القلم: ابتعدي عني أيَّتها المبراة القاسية القلب.
المبراة: سمعاً وطاعة.. لكنْ لماذا تقول إنّي قاسية القلب؟
القلم: انظري كم أصبحت قصيراً بسببك.. بعد أنْ كانت قامتي طويلة شامخة.. فأنت تقطعين طولي بشفرتك الحادة..
قالت: نعم يا صديقي.. أعترف بذلك.. لكنها الطريقة الوحيدة لأساعد صديقي التلميذ على الكتابة والرسم والتعبير..
أجابها بحزن وغضب: ألا تدركين أنّك بهذه الطريقة تقتليني شيئاً فشيئاً.. وعمّا قليل سأختفي من الوجود..
تقترب منه المِبراة وتقول بحنان: لا يا أخي القلم.. ما فائدتَك إذا لم يكتب بك التلميذ؟؟ وما فائدتي أنا إنْ لم أقم بدوري رغم أن استخدام شفرتي يقرب موتي وانتهائي أنا أيضاً..
يجبيها بحزن ورفض لما تقوله بعد أنْ يبتعد عنها قليلاً: ماذا تقولين؟ إلا تفهمين أنني أذوب تحت شفرتك الحادة وأفنى؟؟ ألا تقدرين مشاعري وإحساسي؟
تقول بابتسامة كبيرة وبنظرة عطف ومحبة: لا يا أخي.. أنت لا تذوب ولا تفنى.
ثم تتأمل المبراة عيني القلم.. وتبتسم ابتسامة لطيفة حنونة وتقول: انظر يا زميلي كم كتب بواسطتك التلميذ.. وكم دون ورسم وشارك أصدقاءه أفكاره؟؟.. وكم ساعدته أنت على النجاح والتفوق؟؟
وقالت بعد لحظات من الصمت والتأمل: ألا يعني كل ذلك أنّك تفنى من أجل الآخرين؟ ثمّ إنّ رصاصك منتشر في كل دفاتر وأوراق تلميذنا النجيب.. واللوحات التي رسمها بواسطتك موضوعة في أماكن جميلة في مدرسته وفي بيته.. ألا يسعدك ذلك؟ لولا شفرتي ورأسك الحاد وأنامل التلميذ لبقيت عوداً خشبياً لا قيمة له..
نظر القلم الرصاص إلى الأرض .. لم يتكلم..
تأمل دفاتر التلميذ وكتبه..
تذكر كل لحظات المرح التي يقضيها التلميذ بالكتابة والرسم..
فكر قليلاً ثم قال: كلامك صحيح أيتها المبراة الذكية.. ما أجمل أنْ أكون قلماً؟ أجمل أن يستخدمني الأطفال؟ ومن اليوم لن أغضب منك مرة أخرى.. وما رأيك الآن أنْ أقرّب رأسي من شفرتك لأنّ التلميذ يكاد يصل إبى المدرسة وسيحتاجني فور وصوله..
تضحك المِبراة وتشع عيناها من السعادة.. ثم تضم القلم إلى صدرها بحنان.. وتبدأ بإعداده استعداداً لوصول التلميذ إلى فصله..


مشهور المشهور
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

في مدرسة من مدارس بلدة بعيدة، كان هنالك تلميذ مشهور اسمه مشهور.. كان المدرسون يحبونه ويتوقعون له مستقبلاً زاهراً.
وكان مشهور مشهوراً في مدرسته وبين أبناء بلدته الصغيرة المتواضعة بأنه لا يترك الكتاب ينزل من يده.. فهو يقرأ ليل نهار، ويحفظ بسهولة وبسرعة كل ما يأخذه في المدرسة، حتى صفحات القراءة، وقصص المطالعة الحرة.. لأن هوايته الوحيدة كانت الحفظ..
ولم يكن مشهور يقتصر في حفظه على كتب المدرسة.. فعندما يقرأ صحيفة أبيه فإنه يحفظ أخبارها وعناوينها وتفاصيلها.. وإذا ذهب الى السينما أو شاهد فيلماً في التلفزيون لم يحفظ قصة الفيلم فقط بل يعيد سيناريو الفيلم كاملاً...
وزادت شهرة مشهور حتى وصلت أخباره إلى أماكن بعيدة.. فدعاه وزير التعليم لتكريمه.. وأعطاه هدية كبيرة.. ونشرت صوره في الصحف..
وصارت المكتبات تتسابق بإرسال الكتب المنوعة إلى مشهور، وتطلب منه أن يقدم رأيه بالكتب التي يقرأها..
صار عند مشهور كتب كثيرة..
فتح له أبوه قبواً أسفل البيت كان يستعمله لوضع الأشياء القديمة التي لا قيمة لها، وجعل القبو مكتبة له..
لكن استمرار تدفق الكتب من كل مكان جعل المخزن يضيق ويضيق حتى لم يعد هنالك متسع لكتاب إضافي واحد..
قرر مشهور نقل الكتب الجديدة الى مكتبة المدرسة.. عرَض الفكرة على مسؤولة المكتبة فرحبت على الفور.. ومنذ ذلك اليوم صار يرسل كل ما يصله من كتب جديدة إلى مكتبة المدرسة.. لكن المكتبة مع مرور الأيام لم تعد تسع، فاقترح مدير المدرسة توسيع المكتبة وتوزيع الكتب القديمة التي يوجد منها أكثر من نسخة على الطلاب..
امتدت شهرة مشهور إلى دول مجاورة.. وتنافست المحطات الفضائية على زيارته وإجراء حوارات معه عن الكتب التي يقرأها.. واشتد تسابق الصّحف على نشر أخبار مشهور.. ولم يعد للإعلام حديث غيره..
فانهالت على مشهور الكتب من كل بلاد الدنيا.. وصارت المجلات الأجنبية تكتب عنه..
قررت بلدية البلدة تحويل المدرسة كلها إلى مكتبة عامة كبيرة ونقل الطلاب إلى مدارس أخرى..
لكنّ استمرار تدفق الكتب يومياً جعل المدرسة التي أصبحت مكتبة عامة تضيق وتضيق، فتم رصّ الكتب فوق بعضها البعض.. واقترح مجلس البلدية توزيع الكتب الجديدة على مكتبات صغيرة تنشأ في كل شارع من شوارع البلدة، وعلى مكتبات مدارسها، ومكتبات البلدات المجاورة ومدارسها..
ومع مرور الأيام غرقت البلدة كلها في الكتب.. ولم يعد هنالك أمكنة تتسع.. حتى لتسير السيارات الصغيرة.
وكان هنالك في البلدة أشخاص منزعجون من تكدس الكتب في كل مكان .. خاصة أنهم لا يحبون القراءة ولا الكتب.. لكنهم لم يعلنوا ذلك حتى لا يتهموا بالجهل ولا يقال إنهم أعداء العلم والتعلم..
صاروا يتحدثون فيما بينهم في مجالسهم الضيقة عن طريقة تخلصهم من هذه الكتب..
قال أحدهم: لدي فكرة رائعة.. لو نفذناها معا سنتخلص من هذه الكتب وسنصبح من الأثرياء..
قالوا بصوت واحد: قل بسرعة.. ما هي فكرتك..
ضحك الرجل وقال: بشرط أن تكون لي النسبة العالية.. قالوا: قل ولن نختلف.
قال لهم: لقد عرض علي تاجر كتب من المدينة أن نجمع له الكتب والمجلدات النادرة والغالية الثمن ويدفع لنا ثمناً مقابلها، وهو سيقوم ببيعها من جديد.. وهكذ نتخلص من الكتب ونغنى في الوقت نفسه..
فرح الجميع بالفكرة وقالوا: يا لها من فكرة رائعة..
واتفقوا أن يبدأوا على الفور بالتنفيذ.. وخرجوا يجمعون الكتب المهمة والغالية الثمن من كل مكان بحجة أنهم يريدون قراءتها.. ثم أخرجوها من البلدة سراً في سياراتهم ونقلوها الى ذلك التاجر فدفع لهم أموالاً كثيرة..
وظل الحال على هذا الشكل أياماً..
وكانوا كلّما أخرجوا كميّة من الكتب وصلت إلى المدنية كميّة أكبر منها.. ثم اكتشفوا أن الكتب نفسها التي يبيعونها للتاجر تعود الى البلدة من جديد، وعلموا أن التاجر يبيعها لأشخاص يريدون إهداءها لمشهور..
أحد سكان البلدة استغرب الاهتمام الكبير بالقراءة والكتاب التي ظهر فجأة على هؤلاء الأشخاص.. فصار يراقبهم حتى اكتشف خطتهم وكشفهم لسكان البلدة الذين انتظروهم عند مدخل البلدة وقاموا بتفتيش سياراتهم وأخرجوا الكتب منها، وحذروهم من تكرار هذا العمل والا لقوا عقاباً وطردوا من البلدة..
انتشرت هذه الحادثة بين الناس في البلاد المجاورة، وكتبت عنها الصحف.. وصارت البلدة مشهورة جداً مثل مشهور لاهتمامها وتقديرها للكتاب..
ومع ازياد شهرة البلدة وابنها مشهور، قرر أهلها صنع نصب تذكاري كبير ووضه وسط أكبر ساحاتها، وكان النصب عبارة عن كتاب ضخم منحوت من صخر..
وطلب رئيس البلدية من مشهور أن يرفع الغطاء عن النصب تكريماً له بحضور كل سكان البلدة..
وكان محفوراً على رخامة مثبتة في قاعدة النصب التذكاري جميلة تقول: هذه التحفة الفنية تذكار افتتحة مشهور المشهور بنفسه تقديراً من البلدة وتكريماً له، لأنه جعل بلدتنا أشهر بلاد الدنيا وجعلنا جميعاً نحب القراءة والكتاب..


قصة علمية
الشمس المريضة!
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

في أحد الأيام، وفي موعدها المعتاد، خرجت الشمس في الصباح الباكر لتنير وجه الأرض بأشعتها الذهبية.. لكنّ نورها كان ضعيفاً باهتاً ليس كمثل كل يوم من أيام الصيف المشرقة..
لاحظ صبي صغير يدعى سالم أنّ الشمس لا تشرق ساطعة كعادتها..
فسألها دون أنْ ينظر إليها مباشرة، لأنّه يعلم أنّ النظر إلى الشمس يضر عينيه.. قائلاً: أيتها الشمس المحبوبة.. ما لي أراك اليوم حزينة مهمومة ولست كعادتك كل يوم نشيطة زاهية اللون؟ هل أنت مريضة؟
تنهدت الشمس تنهيدة عميقة.. ثم التفتت إلى سالم وقالت: آهٍ يا صديقي العزيز.. ماذا أقول لك!.. اليوم قبل أنْ أخرج إلى الدنيا اليوم صباحاً لأنير التلال والصحارى والسهول والجبال والمدن والقرى... تأملت نفسي وقلت: إلى متى أستمر على هذه الحال.. لقد تعبت.. كل يوم احترق واحترق.. تتفجر على رأسي البراكين لكي أنير الأرض.. وأنا أحترق وأذوب من أجل الآخرين.. ولا أحد يشعر بي ويقدّرني.. لقد أصابني اليأس..! وبدأت أشعر بالمرض والإحباط والشيخوخة.. كم أتمنى أن تنطفيء أنواري الساطعة.. وتهدأ براكيني الثائرة المشتعلة لأعيش بأمان وسلام وراحة وهدوء بال..
نظر الصبي الذكي من حوله.. وتأمل أشعّة الشّمس الضعيفة المنسكبة على الأرض بخمول وبؤس..
وشعر في نفسه بتأثر بالغ من كلام الشمس التي يحبها..
وقال لها: يا حبيبتي الشمس.. أيّتها النور البديع، من قال لك إنّنا لا نقدرك؟! كلّ الناس يعرفون قيمتك.. وقد كتبوا لك وعنك قصائد وقصصاً وحكايات..
والله تعالى ذكرك في كتابه العزيز مرات ومرات.. ويكفي أنّه سبحانه وتعالى أقسم بك في سورة حملت اسم (الشمس) قائلاً: (والشمس ضحاها..).. وقد ورد اسمك صريحا في القرآن الكريم نحو ‏35 مرة‏، منها ‏33‏ مرة باسمك (الشمس)‏‏ ومرتان بصفتك، سراج‏ مرة، وسراج وهاج مرة أخرى.. وهناك آيات كريمات كثيرة تتحدث عن الضوء والنور، وآيات تذكر النجم والنجوم. وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس:5).
اهتزت الشمس وهي تسمع كلام الله تعالى... وصار نورها يتوهج.. فقال الصبي: ألا يكفيك هذا يا عزيزتي فخراً وعزاً.... كما إنّك تسبحين في الفضاء الرحب دون انقطاع، والله تعالى يقول في كتابه العزيز: (والشمس تجري لمستقر لها)..
ثم توقف الصبي عن الكلام قليلاً يتأمل هذه الآية البديعة ثم قال: أنا أحبك يا شمسي العزيزة.. وتأكدي أنّ كلّ الناس يحبونك.. ألا تذكرين قصتك الشهيرة (يؤخذ باللين ما لا يؤخذ بالشدة)، ونقاشك مع الريح الذي راهنك على قدرته على خطف المعطف من صاحبه بقوة الريح الشديدة.. لكنّ الريح لم تتمكن من ذلك.. لأنّ الريح كلما اشتدت كان صاحب المعطف يشدّ معطفه إلى جسمه.. غير أنّك وبحرارة بسيطة، جعلت الرجل يخلع معطفه.. وفي هذه القصة البسيطة تعلّمنا منك أمثولة كبيرة..
قالت الشمس بتواضع: الحمد لله الذي ذكرني في كتابه العزيز... وأشكر الناس الذين أخذوني عبرة في حكاياتهم وقصصهم وحياتهم.. وهذا أمر لا أنكره على أبداً.. وقد غمرني الله تعالى بفضله.. وأكرمني الناس بذكرهم لي.. وأصبحت قرآنا يتعبّد الناس به، ويقرأوني في صلواتهم.. وأنا أقدّر كلّ ذلك وأعرف أهميّته.. لكنني أشعر بالهم والحزين رغم ذلك..
فقال الصبي: ماذا بعد هذا من إكرام أيّتها الشمس اللطيفة؟
قالت الشمس بمحبة وبصوت هادئ لطيف: أيّها الولد المحب.. أنا أقرّ بكل كلامك وأقدّره وأعترف به ولا أنكره، لكنّي أحياناً أشعر بملل من عملي.. فقد تعبت.. فأنا أعمل بلا انقطاع.. النّاس ينامون وأنا أعمل.. بعض الأطفال يظنون أنّني أنام في الليل.. لكني أتركهم هم ليناموا وأتوجه أنا إلى ناحية أخرى من الأرض، حيث ألتقي بأناس آخرين وأطفال آخرين.. فعندما يكون الليل في ناحية من الأرض يكون النهار في ناحية أخرى منها.. وعليّ أنْ أعمل ليل نهار.. ففي كل لحظة على الأرض يوجد شروق وغروب.. والله تعالى يصف نفسه في سورة المعارج: (برب المشارق والمغارب).. وكله لله طبعاً (ولله المشرق والمغرب). ففي كل لحظة شروقٌ وغروبٌ.. ولهذا فإني تعبت.. تعبت.. خاصة أنّ هناك من يقول إنّ عمري سيكون نحو 10 آلاف مليون سنة، مضى منها 4600 مليون سنة – فانظر كم أنا عجوز عجوز – وما تبقى من عمري يقدر بنحو 5500 مليون سنة.. تصور؟؟ هل يمكن أن تتخيل هذا الرقم؟؟؟؟
تأمّل الصبي شعاع الشمس الذي عاد باهتاً حزيناً أكثر من ذي قبل.. فقد استغلت بعض السحب ضعف الشمس لتنتشر في المكان وتغطي جزئاً من السماء..
فقال الصبي الذكي:
ايّتها الشمس اللطيفة.. لقد أحسست بكل كلمة قلتها.. وبكل نفس حار صدر من قلبك.. ولو أردت مدحك لما كفتني ساعات وساعات، فأنت مصدر الدفء والضياء في الأرض، ومن دونك تنمحي الحياة عنها. فطاقتك ضرورية لنحيا وليحيا النبات والحيوان، كما هي لازمة لاستمرار الحضارة البشرية، فمعظم الطاقات الأخرى الموجودة على الأرض مثل الفحم والبترول والغاز الطبيعي والرياح ما هي إلاّ صور مختلفة من الطاقة الشمسية، ولو اختفيت لفترة ولو قصيرة لتجمدت الحياة على الأرض.
ثمّ سكت الصبي قليلاً قبل أن يتابع حديثه قائلاً: أنت يا شمسي الحبيبة من أهم أسباب استمرار الحياة على الأرض، ولهذا قدّسك القدماء، حتى إنّ بعضهم عبدك من دون الله زوراً وبهتاناً تقديراً لك ولقوتك وجبروتك...
نظرت الشمس إلى الصبي بعطف شديد.. أرسلت أشعتها الدافئة بحنان.. تحييه على كلامه الطيب.. كانت تريد أنْ تحني رأسها إجلالاً لعظمة الله وإقراراًً بعبوديتها له، وتواضعاً أمام قدرته ولما منحها من نعم جليلة وفوائد عظيمة..
ثم قالت: ما أنا إلا مخلوق من مخلوقات الله تعالى.. وقد كنتُ حزينة جداً منذ القدم وغاضبة من أولئك الذين يكفرون بالله ويعبدونني دون وجه حق.. ولستُ أنا بشيء.. فأنا أعرف قدر نفسي أكثر منهم، فلست سوى نجم متوسط الحجم والكتلة واللمعان، حيث توجد فى الكون نجوم أكبر مني تعرف بالنجوم العملاقة، كما توجد نجوم أصغر مني تعرف بالنجوم الأقزام. وكوني نجماً وسطاً كنت بأمر الله أكثر استقراراً، ما انعكس على استقرار الحياة على الأرض. فلو زاد إشعاعي عن حد معين لاحترقت الحياة على الأرض، ولو نقص عن حد معين أيضا لتجمّدت الحياة على الأرض.. كم قلت يا صديقي الصغير...
وكانت الشمس في هذه الأثناء تتحدث بثقة وإيمان ومحبة حبور...
فرح الصبي بكلام الشمس بعد أن استعادت بريقها.. وبدأت تخرج من حزنها... وقال: لقد درست عنك في مدرستي الكثير الكثير.. وهنالك علماء كبار يدرسون كل شيء عنك..
فتح الصبي كتابه المدرسي وبدأ يقرأ:
.. والشمس هي أقرب النجوم إلى الأرض، وهي النجم الوحيد الذى يمكن رؤية معالمه المسطحه بواسطة المنظار الفلكي. أمّا باقي النجوم فيصعب حتى الآن مشاهدة تفاصيل أسطحها نظراً لبعدها السحيق عنا. فلو استخدمنا أكبر المناظير في العالم نرى النجوم كنقط لامعة ودون تفاصيل، أمّا لو استخدمنا منظاراً متوسط القوة لرأينا مساحات على سطح الشمس تساوي مساحة دولة مصر تقربياً. وعلى سبيل المثال والمقارنة نجد أنّ متوسط بعد الشمس عن الأرض يساوى 93 مليون ميل، ويعرف بالوحدة الفلكية لقياس المسافات فى الكون وتساوى 149.6 مليون كم. أمّا أقرب نجم أو شمس لنا بعد شمسنا فيقدر بعده بنحو 4.2 سنة ضوئية أي ما يعادل نحو 42 مليون مليون كيلو متر.
وكانت الشمس فخورة بنفسها وهي تسمع هذا الكلام..
فرح الصبي سالم بفرح الشمس وفخرها بنفسها.. وقال لها: حقٌّ لك أيتها الشمس أنْ تفخري بنفسك.. وسوف أخبرك خبراً يسرّك أكثر.. هل تعلمين أنّه ومنذ سنوات قليلة وفي جامعة عربية ناقش باحث من الطلاب رسالة جامعية بعنوان: (الشمـس فـي الشـعر الجاهلـي)..
فضحكت الشمس بصوت مليء بالفرح والسعادة
وتابع سالم حديثه قائلاً:
وعرض الباحث واسمه كمـال فواز أحمد سـلمان مكانتك الدينية في القدم، وذكر أنّك كنت أحد ثلاثة أركان ثالوث مقدس، في معتقدات الأمم القديمة في الفكر السومري والبابلي والأشوري والفينيقي والمصري واليوناني والروماني والعبراني، إضافة إلى اليمنيين والعرب الجاهليين.
وتابع سالمٌ حديثه فخوراً هو أيضاً بمعلوماته القيّمة، وكانت الشمس تنصت إليه بكل فرح وسرور: تناول الباحث المواضع التي وردت فيها (الشمس) في أشعار الجاهليين بعامة، وعرّفنا إلى رموزك في الشعر الجاهلي، والمواضع التي ركز الشعراء فيها على ذكرك، وعلاقة المرأة بالشمس ومعرفة دور هذا الكوكب من خلال أغراض الشعر بأشكالها المتنوعة، ثم وصف حالة الشمس في أثناء الحرب والطبيعة الحيّة بنباتها وحيوانها. كما طرح أشياء كثيرة عنك أيتها الشمس الدافئة..
ضحكت الشمس من قلبها وقالت: ما أطيب قلبك يا ولدي الحبيب..
فقال سالم: لو قعدنا نتكلم عن الشمس لما انتهينا.. فحديثك طويل طويل.. وقد ورد ذكرك في كثيرمن الأساطير العالمية والقصص الخيالية.. وهناك دراسات وبحوث، وكتب كثيرة صدرت عنك.. فهل بعد كل هذا الكلام ما زلت تشعرين بالحزن والإحباط..
قالت الشمس وقد انجلى همها... ولمع لونها.. واشتد توهجها وسطوعها:
ما أجمل كلامك يا صديقي العزيز.. أعدك أنني من اليوم وصاعداً لن أشعر بالملل ولا بالإحباط.. وشكراً لله على نعمائه العطيمة.. فقد وهبني أشياء كثيرة لم ينلها نجم كبير ولا صغير كما نلت أنا من إكرام وفضل..
ثم عادت الشمس وشكرت سالماً على حديثه اللطيف الذكي.. وقالت له إنّها ستكافئه على عمله بأنْ تخفف حرّها عليه طوال حياته، فلن يشعر بالحر أبداً..
فضحك الطفل الذكي وقال الطفل مبتسماً:
كم أنت لطيفة أيتها الشمس، ورغم تقديري لموقفك النبيل، لكنّي أتمنى منك أن تعامليني كغيري من البشر.. لأني أريد أن أحيا مثل الجميع دون تميّز عنهم.. فأشعر بالبرد في أيام البرد والحر في أيام الحر..
وراح الصبي سالمٌ يضحك ويضحك
فضحكت الشمس هي أيضاً مرّات ومرّات من أعماقها.. وقالت:
ولك ما تريد أيها الولد النجيب...
فرح سالم بتعبير الشمس.. وصار يغني:
أنا سالم.. أنا الولد النجيبْ..
أنا سالم.. أنا الولد النجيبْ..
أحيا بفرح وضحك
لا أعرف الحزن ولا النحيبْ
لآأحب الشمس المشرقة
ولا أريدها أن تغيبْ..
أحبها سعيدة.. سعيدة..
تأتي كل صباح بلون قشيب..
ما أجمل الشمس وقولها:
سالم ولد نجيب..
سالم ولد نجيب..


البنت المقدسية
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

إكرام ابنة قرية مقدسية قديمة محتلة…
جدها مسعود لم ينزح من قريته قبل سنوات طويلة رغم أنهم طردوه من بيته وأرضه.. فضل أن يبقى يفلح ترابه ويزرعه.. وإن كان يخدم من اغتصب بيته وبستانه فقد كان يؤمن بأنه لا يخدمه هو، بل يخدم الأرض التي يحبها.. ويعرف كل حبة رمل فيها.
لم يكن جد إكرام يفهم بالسياسة ولا بالعسكر..
كان متدينا بسيطاً، صحيح أنّه كان يصلي ويصوم ويحفظ آيات كثيرة من القرآن الكريم.. لكنه لم يكن يفهم إلا بالزرع والحصاد..
وبالرغم من معيشته الصعبة.. وما ذاقه من المحتلين من آلام وجراح.. رضي العيش في خدمة المحتل ولو دون بيت..
فهو يفضل النوم في ظل شجرة من أشجاره التي زرعها بيديه من أن يرحل ويعيش في قصر من القصور..

إكرام الصغيرة لم تعرف جدها الا بسماع قصص عنه..
استشهد قبل ولادتها بأعوام..
لم يقتل في معركة ضد المحتل، ولا في تظاهرة أو حتى مجرد اعتراض...
قتله ابن مغتصب أرضه التي ورثها عن أجداده..
قتله الصبي بعد أن أهداه أبوه بندقية جديدة بمناسبة بلوغه العاشرة من عمره..
أراد الصبي أن يجرب بندقيته الجديدة.. وبدلاً من أن يجربها على عصفور أو فأر أو حتى صرصار؛ صوب بندقيته نحو قلب الجد مسعود..
كان مسعود يفلح الأرض ويسقيها عرقه..
رفع مسعود معوله إلى الأعلى ليهوي به نزولاً يشق الأرض..
فاجأته طلقة البندقية في قلبه مباشرة..
تعرف إكرام قبر جدها..
تحمل اليه من وقت لآخر عوداً أخضر تغرسه في تراب القبر..
تقرأ الفاتحة وتدعو له ولنفسها ولأسرتها.. ثم تغادر كما جاءت وعلى كتفها شنطة المدرسة..

والد إكرام يحمل جنسية المحتل غصباً عنه..
لم يكن أمامه خيار: أما الإذعان أو الرحيل..
جدته (أرملة مسعود) رفضت الأثنين.. حبست نفسها في كوخ متهالك، قررت الموت في قريتها لتدفن قرب زوجها الشهيد..
عاشت الأسرة حياة بسيطة جداً، في حي تحيط به مساكن المحتلين كالسوار بالمعصم..
لم تكن إكرام تعرف الكراهية... كانت مثل جدها مولعة بالأرض...

في مدرستها طالبات كثيرات يشبهنها تماماً.. لكل واحدة منها قصص تحكيها...
هن يشعرن أنهن أسعد حظاً من نظيراتهن البنات اللاتي بمثل سنهن ويعشن خارج الوطن، أو تحت قصف الاحتلال وإرهابه في ما تبقى من وطن..
كانت هي أيضاً تظن أنها محظوظة لبقائها في أرض الوطن، بل أكثر حظا لأنها قريبة الى قبر جدها وتسكن داخل قريتها التي كانت..
هي تذهب الى المدرسة، وهن قد لا يذهبن، ويعشن ظروفاً قاسية..
هي تعيش في أمان مصطنع.. وهن يعشن في ساحات الدم...
لكنها لم تشعر بالأمن التام، فكل ما هو عربي حذر على الدوام...

تفتحت إكرام على هذا المشهد..
أقصى مكان تذهب اليه هو المدرسة في الصباح والعودة الى البيت ظهراً..
تحرص على الذهاب والعودة مسرعة..
تهرول جنب الحائط وتدخل البيت ولا تخرج الا عند الضرورة، وأحياناً تذهب الى جارتها مريم التي تسكن الحي نفسه لتراجع لها دروسها وتشرح لها ما غمض عليها في دراستها...

ومريم في الحقيقة ليست مدرسة.. لم تكن تعمل في مدرسة ولم تكن تعمل أبداً..
حاولت مراراً أن تجد عملاً، لكن ماذا تفعل بأطماع أصحاب العمل؟؟ عندما كانت تقول لهم: عيب عيب.. يضحكون ويطردونها قائلين بلكنة عربية سخيفة: (ها ها.. روح حبيبي روح ... دورلك مكان تاني).
لذلك قعدت مريم في البيت تعلم أبناء الحي وبناته.. تعطيهم دروساً خصوصية مقابل أجر زهيد... لكنه يبقى أفضل بمليون مرة من موافقة أصحاب العمل هؤلاء على طلباتهم...

في المساء..
وقبيل نومها.. تفتح إكرام نافذتها الصغيرة، تتمدد على السرير، ترمي ببصرها الى السماء تتأمل النجوم المنتشرة مثل حبات لؤلؤ حول القمر...

حي إكرام لا ينعم بالأمن التام مثل سائر الأحياء التي تحيط به...
تشكل تلك الأحياء حالة رعب..
لم يكن يمر يوم دون أن يعبث أحد بالحي.. زجاج يطاير.. سيارات تضرب بالحجارة.. بيوت تتعرض للسطو...
طفل يشج رأسه بضربة عصا...
القمر وحده صديق إكرام...
ليس هنالك أصدقاء...
أبواها مشغولان على الدوام... جدتها الكبيرة بالسن لا تستطيع الكلام وغالباً ما تكون نائمة..
أبوها وأمها يعملان عند تاجر محتل...
يعملان عنده مثل عبدين طائعين، ولا يستطيعان الاعتراض... فالجنسية الوهمية لا تؤمن أية حماية...
أذعنا للواقع كيلا يكون مصيرهما مثل جدها المسكين, أو الرحيل..
لم تكن إكرام تجد مسلياً غير القمر...
تبحث في المساء عن إذاعات عربية ومحطات عربية، لكنها تخفض الصوت كيلا يسمع أحد من الخارج...
تراقب حياة أطفال العرب.. كيف يعيشون وكيف ينعمون...
ثم تنظر للقمر.. تحلم بالحياة وللحياة...
ثم تغلق عينيها وتنام على حلم جديد..
وفي عصر يوم يسبق امتحاناً مدرسياً مهما... ذهبت إكرام الى مريم ..
تأخرت إكرام في بيت مريم.. كانت الدروس كثيرة وتحتاج الى شرح... مضى الوقت بسرعة... لم تنتبه إكرام الا بعد مضي وقت طويل...
بقيت إكرام في منزل مريم حتى غربت الشمس...
ولم تكن تتأخر يوماً ..
رجتها مريم أن تبقى عندها الليلة.. خافت على أبويها.. ستبكي أمها أن لم تعد الى البيت... ستظن أن عصابة خطفتها...
وما أكثر مثل هذه العصابات...
خافت من أن يخرج أبوها وأمها للبحث عنها فتؤذيهما تلك العصابات...
قررت الخروج فوراً والسير قرب الحائط على الطرف الثاني حتى تراها مريم لغاية وصولها الى البيت..
الكهرباء مقطوعة عن الحي مثل العادة...
قالت لها: خذي هذه الشمعة لتنير لك الطريق...
قالت الطفلة: لا أريد شمعة.. من الأفضل أن أمشي في الظلام كيلا يراني أحد..
أصرت مريم.. خشيت أن تصدمها سيارة في الظلمة.. أن تقع في حفرة.. وما أكثر الحفر في الحي...
أخذت الطفلة الشمعة بحذر..
سارت مسرعة نحو الرصيف قرب الحائط على الجانب الآخر من الطريق لتتمكن مريم من رؤيتها حتى وصولها البيت...
كانت مريم خائفة.. كانت إكرام خائفة... الظلام تشقه شمعة؟
لم تعد مريم ترى في الظلام غير نور ضئيل يتحرك قرب الحائط...
رأت ضوء سيارة مسرعة... سمعت صوتاً مرعباً.. سمعت صراخ طفلة..
وزعيق أطارات سيارة..
ومن ذلك اليوم لم يعد أبناء الحي يضيئون شمعاً بليل...


الأمير هيكارو
د.طارق البكري
docbakri@yahoo.com

في زمان ومكان بعيدين، عاش الأمير الشاب اليافع هيكارو في قصر جده الملك، ذي الأسوار العظيمة والأبراج الضخمة الكبيرة، مثله كمثل أمراء ذلك الزمان.
وكان الملك يحجب حفيده الوحيد عن عامة الناس، ويخاف عليه من كل شيء، فقد توفي والداه وهو طفل صغير، ونشأ يتيماً وحيداً، ولم يكن لجده الملك ابن أو حفيد غيره، فقد كان له ولد واحد هو والد هيكارو، الذي توفي هو وزوجه أم هيكارو أثناء رحلة جبلية، حين وقعت مركبتهما التي كانت تجرها خيول من فوق أعالي الجبال.. فاهتم به جده ورعاه منذ الصغر، وعامله بما يليق بوريث عرش، وراح يعده ويؤهله لاستلام المُلك من بعده، ويحضر له مدرسين كباراً يعلمونه كل ما يجب أن يتعلمه الملك من علوم ولغات، وأحضر له فرساناً أشداءً يدربونه على الحرب والنزال (القتال)..
وكان جده يخاف عليه من أن يتعرض لسوء، فأمر بألا يخرج من القصر دون إذنه وإلا يتحرك دون حراسة مشددة.
لم يكن للأمير هيكارو أصدقاء، كان يقضي يومه في القصر، والحرس لا يتركونه لحظة واحدة، وحتى مدرسيه ومدربيه لا يتحدثون معه كلمة واحدة خارج حدود ما هم مكلفين به..

*****

سئم الأمير الصغير من هذه الحياة.. فقد أصبح شاباً يافعاً، يحب الحرية ويريد الخروج الى الناس والتعرف إلى كثير من الأصدقاء...
طلب هيكارو من جده الملك تكراراً ومراراً السماح له بالخروج والتنزه في أمكنة قريبة من القصر يرتادها الرعية، لم يوافق الملك، ولم يقبل الأمر بسهولة، لكن حفيده كان مصرّاً، وصار يرجوه حتى أشبه ترجيه التوسّل، فرق قلب جده ونهاه عن التوسّل لأن أبناء الملوك يجب أن تكون نفوسهم مليئة بالعزة والكبرياء.. ووافق على خروجه بصحبة الحرس شرط العودة مسرعاً.. وطلب من أمير الحرس أن يعتني بحفيده ويحرسه كملك..

*****

خرج الأمير الصغير لأول مرة بعيداً عن القلعة، وكان برفقته كبار الحرس، يحيطون به بهيبة وجلال.. وسار الأمير الشاب على قدميه حتى وصل إلى ساحة قريبة من القصر مليئة بالباعة والمحال والتجار والزبائن.. عندما رأى الناس الأمير وحرسه ابتعدوا عن طريقهم وفضل كثير منهم ترك المكان.. فوجد الأمير نفسه وحيداً مع الحرس وبعض الباعة والتجار الذي جلسوا داخل محلاتهم...
فكر الأمير الشاب بالأمر، فهو لا يستطيع التكلم مع الناس الذين بقوا في المكان مضطرين حرصاً على بضائهم وأموالهم.. شعر أنهم يخشون التحدث إليه، كما أنَّ الحرس يبعدون الناس عن طريقه، وحتى الحرس أنفسهم ممنوعون من الكلام معه لغير سبب ضروري.. فقرر العودة إلى القصر فوراً..
حكى الأمير لجده الملك ما حدث، وسأله عن سبب ابتعاد الناس عنه.. قال الملك بهدوء وثقه: لا سبيل لغير ذلك يابني فأنت من سيرثني ويقود البلاد من بعدي، هم يهابونك منك لأنك السيد المطاع، وأنا أخشى عليك من أن يصيبك سوء.
الأمير هيكارو لم يسره هذا الجواب.. فهو يريد الاقتراب من الناس أكثر...

*****

بعد أيام، طلب من جده السماح له بالخروج للتنزة مرة جديدة.. وفكر بخدعة تقربه من الناس..
فكر أن يلبس ثياباً بسيطة لا توحي أبداً بأنه أمير من أمراء ذلك الزمان، بل هي ثياب تجعله يبدو وكأنه من فقراء الرعية.. لكن من أين يحصل على مثل هذه الثياب؟
فكر بالأمر ولمعت في رأسه فكرة.. الأمر بسيط.. يمكن الحصول على هذه الثياب من داخل القصر نفسه، وهي لصبي يافع في في مثل سنه، يعمل مزارعاً في الحديقة، وما أن حضر الصبي في موعده.. تحدث إليه الأمير خلسة دون أن يراه أحد وأغراه ببعض النقود ليشتري بها ثياباً جديدة مقابل أن يعطيه ثيابه الرثة التي لا يملك غيرها.. فتنازل الصبي عن ثيابه هذه التي يأتي بها يومياً، وارتدى كعادته ثياب العمل التي توجد في حديقة القصر على أن يعود الى بيته بثياب العمل متحججا بأن ثيابه مبتله ويضعها في كيس، فأخذ الأمير هيكارو ثياب الصبي إلى غرفته وغسلها جيداً، وبدأ يعد للمرحلة الثانية من الخطة..

*****

في اليوم التالي، وبعد أن ارتدى هذه الثياب البسيطة ووضع فوقها عباءته الملكية الفاخرة، غطى رأسه بعمامته المزركشة المرصعة بالأحجار الكريمة، ثم خرج بصحبة الحرس مثل المرة الماضية..
سار الأمير بهدوء يتأمل واجهات المحال.. تصرّف الناس مثل المرة الماضية دون أن يبدي الأمير أي استغراب.. ثمّ وقف أمام واجهة محل للملابس وأمر الحرس بانتظاره لأنه يريد أن يشتري من هذا المحل بعض الأشياء.. فأسرع الحرس وسبقوه إلى داخل المحل للتأكد من عدم وجود أي خطر..
وعندما دخل كان صاحب المحل مرتبكاً وخائفاً.. طلب الأمير من الحرس الخروج حتى ينتهي من الشراء، لكنهم لم يوافقوا على الأمر إلا بعد إصرار منه.. وراح يدور في المحل متفصاً البضائع المعروضة، وانتهز فرصة وقوفه في زاوية لا يراه منها صاحب المحل وأسرع بخلع العباءة والعمامة، فظهر بشكل مختلف تماماً، وعندما رآه صاحب المحل فوجئ به وطلب منه بصوت هامس الخروج فوراً.
سأله عن السبب فقال بصوت يرتجف: إن الأمير هيكارو حفيد الملك موجود في المحل.. فقال له: وما في ذلك؟ قال: سيقتلونني أنا وأنت، ألا تفهم؟ ألستَ من هذه البلاد.. هيا اخرج من هنا فوراً.. كان الأمير يفكر بأن يخرج من المحل بثياب العامل ليتخلص من الحرس ويحتك بالناس مباشرة.. لكنه بعد أن سمع هذا الكلام غير خطته وأسرع ولبس العباءة ووضع العمامة، فأصيب الرجل بدهشة وانعقد لسانه وأصابه رعب شديد، لكن الأمير هيكارو هدأ من روعه وطلب منه عدم الخوف، وأنَّ الأمر لا يستدعي ذلك.. وطلب الأمير هيكارو من الرجل أن يشرح له سبب هروب الناس وخوفهم منه..
رفض الرجل أن يتكلم، فقد كان خائفاً، لكن الأمير الشاب حدثه بتواضع واحترام حتى اطمأن إليه الرجل، وأدرك بفطنته وخبرته وكبر سنه أن الأمير هيكارو شاب طيب لطيف وليس مثل جده قاسي القلب.. لكنه لم يحدثه عن جرائم جده، وقال له إن الناس يخشون جده لشدته وحزمه، وإنه لم يكن كذلك قبل أن يموت أبوه وأمه، فمن ذلك الحين أصبح لا يسمح للرعية بالاقتراب منه، وصار منعزلاً عن الناس وحرسه يعاملون الناس بقسوة شديدة..
لكن هيكارو لم يقتنع بهذا الكلام، ولم يرد إطالة الحديث كيلا يشعر الحرس بالريبة، فاشترى بعض الثياب وأعطى للرجل صرة مليئة بالنقود، وقال له قبل أن يغادر إنه سيعود إليه مرة ثانية ويرجو عندها أن يحدثه دون خوف..

*****

وبعد أيام... قرر الأمير هيكارو الخروج وحده.. لكن كيف السبيل إلى ذلك والحرس يحيطون به طوال الوقت؟؟
فاهتدى الأمير الصغير إلى خدعة عجيبة..
انتظر حتى أنهى عامل الحديقة الصبي اليافع عمله، وناداه باشارة من يده، فاقترب الصبي وهو يرتجف من الخوف... قال له الأمير إنه يريد منه أمراً بو فعله سيكافئه عليه مكافأة كبيرة..
كانت خطة الأمير أن يرتدي الصبي العامل ثيابه وأن يرتدي الأمير ثياب العامل، ويدخل العامل غرفة الأمير لينام بينما يخرج الأمير لابساً ثياب الصبي، فلا يشك فيه أحد..
خاف الصبي.. ماذا لو اكتشف أحدهم ذلك؟
فطمأنه بأنه لا أحد يدخل غرفته دون إذنه.. وأنه سيعود صباح غد في موعد بدء عمله فيستعيد كلا منهما شخصيته..
ونجحت الخطة ببساطة.. دون أن يلحظ الحرس، فقد كان الصبيان اليافعان في سن واحدة وبنية واحدة.. ومن يعتقد أن الأمير سيتنكر في زي صبي فلاح؟؟؟

****

توجه الأمير فور خروجه إلى ذلك المحل الذي التقى فيه الرجل من قبل.. وما أن رآه حتى كاد يغمى عليه من الخوف.. وبعد أن هدأ الرجل قليلاً، شعر بمدى اهتمام الصبي به وحرصه على صحته، ولم يكن في محله وقته أحد من الزبائن..
وطلب لأمير من الرجل بعد أن استعاد عافيته أن يخبره عن سر خوف الناس منه.. لكن الرجل رفض باصرار..
أدرك الشاب أن هناك حاجزاً كبيراً يفصل بين الشعب والملك.. وأن عليه أن يكتشف السبب... فقال للرجل: ستخبرني حقيقة الأمر وإلا سوف أخبر جدي الملك أنك أسأت معاملتي.. فصار الرجل يرجوه ألا يفعل ذلك..
فقال: لن أخبره إذا أخبرني ما سبب خوف الناس من الملك؟
عندها قال الرجل: إن الملك رجل ظالم.. يأخذ أموال الناس بالباطل دون حق، ومن يمتنع عن دفع نصف أرباحه من التجارة لحرس الملك يضرب ويسجن على الفور.. والحرس يقومون بإهانتنا وضربنا، ولذلك فنحن ندفع على الفور...
ذهل الأمير الشاب من ذلك.. فجده طيب القلب ولا يمكن أن يفعل ذلك أبداً، وطلب من الرجل دليلاً على كلامه وإلا سوف يعاقبه بنفسه..
قال له: انتظرقليلاً.. اليوم موعد دفع النقود.. سوف يأتي رجال الملك هذا اليوم وهم يتنقلون الآن بين التجار..

*****

انتظر الأمير حتى سمع حركة وجلبة على مدخل المحل، فاسرع للاختباء خلف بعض البضائع، عندها دخلت مجموعة من حرس الملك وطلبوا المال المعتاد فاسرع الرجل بدفعه فوراً دون أن يتكلم..
استشاط الأمير غضباً ولم يستطع تمالك نفسه، فخرج من مخبئه زاجراً الحرس الذين فوجئوا بالشاب دون أن يعلموا من هو؟
وصار الأمير يصيح بهم: ارجعوا النقود لصاحبها وإلا عاقبتكم.. فأنا الأمير يا لصوص...
انقض الحرس على الأمير بعد أن نظروا إلى هيئته وثيابه الرثة، وقبضوا عليه ظناً منهم أنه مجرد شاب متهور.. وعندما شاهد صاحب المحل ما حدث.. وقع على الأرض من الخوف فاقداً وعيه... وأخذ الحرس الأمير معهم وألقوه في السجن..
وفي المساء اكتشف الملك غياب حفيده.. فاكتشف المزارع الصغير في غرفته، فأقر المزارع بفعلته واعترف للملك بكل ما حدث..
أمر الملك حرسه بالبحث عن الأمير..
فقالوا له: إن هناك شابا يدعي أنه الأمير وهو في السجن.. وقد ظننا أنه مجنون، فقد وجدناه في السوق يرتدي ثياباً رثة بالية.. ولا يوحي منظره أبدا بأنه الأمير..
فامر الملك باحضاره إليه فوراً.

*****

استغرب الملك أشد الاستغراب من منظر الأمير.. وطلب منه أن يذهب وينظف نفسه ثم يعود ليشرح له ما حدث.. لكن الأمير أصر على أن يخبر الملك عن الأمر قبل أي شيء آخر، وشرح له سبب هذه الحال..
وقال الأمير هيكارو للملك إنه صدم مما رآه بنفسه، وأخبره أنه لا يقبل أن يكون ولياً لعهده، وأنه سيترك القصر ليعيش كعامة الناس..
فسأله الملك عن السبب؟
فقال له بتعجب: أنت تعرف السبب؟
الملك أصيب بحيرة، وأدرك أن الأمر خطير جداً.. فأمره أن يخبره عما حدث فوراً.. وبعد أن أخبر بما رآه وسمعه بنفسه أقسم الملك أنه لا يعلم عن هذا الأمر شيئاً، وأنه سيعاقب الفاعلين...
واستدعى الملك بعض حرسه وسألهم عن الأمر، وعلم أن الأمر صحيح وأنهم يخشون الكلام ظناً منهم أنه هو الذي يأمر قائد حرسه بذلك..
حزن الملك حزناً شديداً، واستدعى قائد حرسه فوراً، ودعا كبير القضاة، وأمر بتحقيق ومحاكمة علنية عادلة لمعاقبة المذنبين..

****

منذ ذلك اليوم قرر الملك أن يزيل كل أسوار القصر ويفتح أبوابه للرعية يدخلون إليه ويتحدثون معه كلما أرادوا، وسمح للأمير الشاب أن يخرج ويلتقي بالناس في أي وقت وأي مكان..
وأعاد الملك المال الى أصحابه بعد أن عاقب قائد الحرس بما يستحقه وأمر بحجز كل أمواله..
وأصبح الأمير بعد ذلك صديقاً لصاحب المحل..
وفي يوم، وفيما كان الأمير يجول في السوق، شاهد فتاة جميلة جداً، ما أن رآها حتى أعجب بها وسأل عن والدها، فعرف أنه صاحب المحل نفسه..
ذهب الأمير إليه في محله وطلب منه أن يزوجه ابنته، فوافق الرجل شرط أن يوافق الملك لأنه من عامة الناس.
وبعد أن عرض الأمير على الملك الأمر وافق على الفور رغم أنه كان من عادة الملوك إلا يزوجوا أولادهم إلا من بنات ملوك وأمراء.. فنقض الملك هذه القاعدة القديمة وأصدر موافقته عل زواج حفيده بابنة صاحب المحل..
وكان الملك يريد أن يقيم عرساً ملكياً عظيماً، غير أن الأمير هيكارو كان مصراً على أن يكون عرساً شعبياً يجري في إحدى الساحات الكبيرة، وأن يحضره الملك شخصياً لتلقي التهاني من الشعب مباشرة، فوافق الملك على ذلك وكان عرساً لم تعرف الممالك القديمة عرساً مثله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-12-2008, 01:12 PM
الصورة الرمزية شذى
شذى شذى غير متواجد حالياً
إداري سابق
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: ارض الله الواسعة
المشاركات: 12,702
افتراضي

الله الله شوهيدي القصص الجميله والهادئه فيها نوع من الراحه النفسيه

هيك بحس في بعض ماقرات منها..

اسلوبك رائع ومميز ابدعت فعلا مما كتبت

انا بحييك على مواضيعك تسلم ايدك ويسلم قلمك

لك تقديري وودي
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-12-2008, 07:29 PM
د.طارق البكري د.طارق البكري غير متواجد حالياً
عضو موقوف عن المشاركات
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: لبنان
المشاركات: 286
افتراضي

شكرا لكم على الاهتمام.. مع محبتي
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-02-2009, 08:44 PM
الصورة الرمزية محمد مصطفى هادي
محمد مصطفى هادي محمد مصطفى هادي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 417
افتراضي

جميل جدا شكرا على الموضوع

آخر تعديل بواسطة Dany ، 08-04-2012 الساعة 03:31 PM
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضـوابـط الـمـشـاركـة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الإنـتـقـال الـسـريـع إلـى:

- المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع مـنـتـديـاتْ لـبـنـانْ مشاركات المشاركة الأخيرة
رائحة الفطيرة.. قصة قصيرة شذى الـقـصـص و الـروايـات 0 30-01-2010 02:56 AM
شعرة بيضاء.. قصة قصيرة شذى الـقـصـص و الـروايـات 7 18-01-2010 02:18 PM
وثالثهما الشيطان.. قصة قصيرة شذى الـقـصـص و الـروايـات 2 07-12-2009 02:48 AM
كأس لبن..قصة قصيرة شذى الـقـصـص و الـروايـات 5 17-08-2009 02:07 AM
الجزء الرابع من كتاب 50 قصة قصيرة للأطفال د.طارق البكري الـقـصـص و الـروايـات 3 04-02-2009 04:10 AM


الـسـاعـة الآن » 01:40 PM.


Powered By: Lebanon.ms
جـمـيـع الـحـقـوق مـحـفـوظـة لـمـوقـع مـنـتـديـاتْ لـبـنـانْ - Copyright © Lebanon.ms ® 2007-2012

Security team